قف على ناصية الحلم وقاتل

من النماذج المعاصرة الملهمة ، المهندسة المعمارية التي كانت تحلم بدراسة الطب البشري فصاحبت حُلُمَها الذي رافقها منذ الطفولة، وهي التي تغَنَّت بقول المتنبي حين كان يُسأل: كيف حالك؟ فيقول أُصاحب حلمي ، لعلها اتخَذته أسوةَّ دُون أن تشعر .ولكنها لم تلبث كثيرآ حتى سُدَّت الأبواب في وجهها ؛ حين اندلعت الحرب في بلدها بعد أن أنهت دراستها في المرحلة الثانوية العامة بنسبةٍ تتجاوز التسعة والتسعون بالمائة، وبسبب الأوضاع المأساوية نتيجة للحرب الشرسة التي أهلكت الحرث والنسل ، لم تستطع أن تلتحق بتخصصها الذي عشقته منذ الطفولة، حتى ظنَّت أنَّ عليها وأد حُلُمَِها بيديها ! فقد أصبح هذا الحلم كابوسًا لها حين صاحبته وصار كنافخ الكير الذي أحرق ثيابها ، فما كل الصحبة صحبة خير ، لقد أُغلقت دونها الأبواب ولكن باب رجائها وأملها بالله لم يغُلق ، وبدا لها طيف أملٍ لاح في الأفق ، فتقدَّمت لإحدى الجامعات الخاصة هنا بعد استحقاقها للمنحة التي تقدمها بعض الجامعات للمتفوقين، وتم قبولها والسعادة تغمرها لدراسة الطب البشري فطارت تحلِّق في السماء وتعانق النجوم وتنشد بأجمل أبيات الدكتور- محمد نجيب :
إنَّ الطِّب مهنةُ كُلَ حُرّ ٍٍ * رأى أنْ يُبذل الجهدَ اجتهادا
وأوشك أن يُقَدسَّ كــل طب ٍ * كمحرابِ الصلاةِ نقيّ وكادا
ارتدت الزي الطبي والسعادة تغمرها على أمل أن تُكرٍِّس حياتها لأهدافٍ سـامية، لِتقدّم كل ماتستطيع لمداواة المرضى وتخفيف الآمهم ، ولتنقذ أرواحَّا شارفت على الهلاك -بعد مشيئة الله -، لا أعلم كيف نامت تلك الليلة وهي ستبدأ في الغد رحلتها لتحقيق حلمها ، بدأت الدراسة والسعادة تغمرها والأمل يحدوها لمزاولة هذه المهنة ، لكن فصلاَّ آخر سيبدآ ليكسر قلب الفتاة ، ويقضي على حلمها ، وما أقسى أن تمسك حلمك بيدك ثم يُسلب منك ،فلم يكن طيف الأمل هذا إلا سرابًا يحسبه الضمآن ماءً فبعد أن أمضت في دراستها ثلاث سنوات حصلت فيها بشق الأنفس على المعدل الذي يؤهلها للبقاء في المنحة-والذي كان شبه مستحيل – قررت الجامعة إلغاء المنح لجميع الطلاب دون أي مبررات وبلا سابق إنذار ! وهنا تحولُ مؤلمُ في مسيرتها، قضت عامًا كاملاً لاتدري أين تذهب وماذا تفعل ؟ وهي تتساءل في قرارة نفسها لماذا يحدث كل هذا ؟ ولكن سرعان مااستدركت وضمَّدت جراح روحها النازفة وطمأنت نفسها بأن كُل َّمُقدرٍ خير ، وعلى الرغم من كل الأبواب الموصدة أمامها ،عزمت على مواصلة المسير ، والأنطلاق للوصول إلى أحلامها فبقدر ماكانت تائهة في تحقيقها ،إلا أنها لم تتوانَ في البحث عن طرِيقٍ جديد يوصلها ،وذات يوم وجدت إعلاناً لإحدى الجامعات الخاصة عن توفر مقاعد كمنحة للمتفوقين، فبادرت بالتسجيل فيها على مضض -لعدم وجود تخصص الطب-،وتركت حلمها وراء ظهرها أو هو من تركها ! فقُبِلت في منحة العشرة الأوائل-ولا عجب-حيث كانت الجامعة تقدم منحةًّ لأفضل عشرة طلاب،فأختارت تخصصًا خارج اهتماماتها ولا تعلم عنه شيئا، وهو التصميم الداخلي،فطُلِب منها إجراء لاختبار المهارات – وهو اختبار إلزامي لتخصص الهندسة المعمارية والداخلية -،فلم يُسمح لها بدخول قاعة الامتحان لعدم وجود اسمها ضمن القائمة، لقد سقط سهوًا ليُغّيِر مسارها ! وبعد تصحيح الخطأ الغير مقصود من مسؤولي الجامعة، عادت مسرعة فدخلت إلى قاعةٍ أخرى بالخطأ وأجرت اختبارًا لا علاقة له بدراسة التصميم الداخلي ، وعند إعلان نتائج الامتحان وجدت اسمها ضمن نتائج اختبار الهندسة المعمارية الذي اختبرته بالخطأ ، وكان اسمها على رأس القائمة ! نعم لقد أدّت امتحان الهندسة المعمارية عن طريق الخطًأ وحصلت على الدرجة الأعلى من بين جميع من أدوا الاختبار! فراسلتها إدارة الجامعة واقترحت عليها تغيير التخصص إلى الهندسة المعمارية فقررت أن تقبل بدراستها وهي التى لم تكن يومًا طموحًا لها أو رغبة ، ويبدو أن كل الانكسارات والعقبات التي واجهتها قد افقدتها شغفها لوهلة ،فاصبح هدفها هو الحصول على درجة البكالوريوس فقط ، ثم سرعان ماتوطّدت علاقة الحب بالتخصص الجديد، فاستمرت بدراسته بشغفٍ لخمس سنوات، حتى تخرجت بإمتياز مع مرتبة الشرف الأولى ، وهي الأن تعمل في إحدى الشركات المرموقة المتخصصة في مجال دراستها ، وتطمح لإكمال درجة الماجستير لترشيحها للعديد من المنح الدراسية نظير تفوقها ، قال محمود درويش : قف على ناصية الحلم وقاتل ، وكأن هذه الفتاة تبعث برسالة لنا جميعًا لتقول : طوّع أحلامك المستحيلة لتناسب واقعك ، ثم حققها ولا تسمح لليأس أن يتسلل إلى قلبك ،فعلا نحن محكومون بالأمل . لايستسلم المرء للصعاب مهما عظمت عقدتها ، ولايضع الحجج عقدةً أخرى أو يسند الصعاب إلى أحوال أسرته كما يظن ، إن الإنسان لاتسيّره مقامات العائلات ولا مادياتهم اللامتناهية للوصول ، وحده هو من ينجي عقله من ظلمة قوقعته، فليست الأسر من يحدد القرارات إنما هي الموجه، ونحن من نحمل أقدامنا المتوجهه نحو الطريق الذي نرغب به .

موضوعات ذات صلة

  • شدة القرب حجاب

    نسمع أصواتهم وتأففهم وتذمرهم من حولنِا مستائين ضيق الحال وقسوته رغم تنعمهم ورغد عيشهم! وما كان ذلك إلا عندما امتدت أبصارهم لما عند غيرهم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهؤلاء ألفوا النعم واعتادوا عليها وانغمسوا في ملذاتها الكثيرة حتى ظنوا أنها لن تغادرهم، أو ربما لم يعودوا يرونها…

  • شاركهم

    أحبّذُ رواية القصص لأبيّن ما أفكر به وما أرغب في إيصاله لكم أصبحت أتخيّلكم وأردد هل سَيَعينني قُرّاء حرفي أم لا ؟ وأرجو ألا تقف جُملةً لتحول بيني وبين فهمي وإدراك فكرتي وها أنا ذا أقصص عليكم تجربةً تروي قصة الفتاة التي عانقت والدها بحرفها ومشاعرها لتصف نجاحها لي وهي اليوم اخصائية اجتماعية وصانعة محتوى…

  • من ترك ملك

    ذات مرة التفت جلال الدين الرومي إلى شمس الدين التبريزي، وفي صدره لظى يتوقد، فسأله عن كيفية إخماد لظى النفس وهدأة اضطرابها، فأجابه التبريزي أن ذلك لا يكون إلا بالاستغناء، فمن ترك ملك الدنيا وحاز حرية الروح. لقد صاغ الباري لهذا الإنسان وجهاً جُبِل على الشموخ والارتفاع، لا على الانحناء والارتكاس، فمن أراد النَّفَس العزيز…

  • غُصن حبق وكوب شاي

    في زاوية هادئة من زوايا ذلك المقهى الجميل حيث التقيتُ بأصحابي، تبادلنا الإصغاء لأحاديث تأسر الروح، تارة ننبش في ذاكرة الأيام ونستحضر ما مضى منها، وتارة نجول في عوالم مختلفة ، ونحن نرتشف ذلك المشروب السحري ،شايًا ممزوجًا بأوراق الحبق وأغصانه، فلا يعلو في المدى صوتٌ فوق رشفاته، وكأننا لا نسكبه لنسد به ظمأ الأجساد،…

  • جنة الدجّال

    إذا أتاك الأعور الدجّال ودعاك إلى دخول جنّته لأنّ فيها الأُنس والسعادة الأبدية والنعيم المقيم، وادّعى أنّ فيها المُلك والخلد، فإن راودتك نفسك وغرّتك عيناك، واجتمعت شهواتك، وحثّك شيطانك على دخولها، فلا تدخلها؛ فإنّ في ظاهرها جنّة، وفي داخلها نارٌ تَلَظّى لاتبقي ولا تذر لواحة للبشر .هي كذلك كما وصفها الرسول المصطفى صلى الله عليه…

  • اخطب لابنتك

    قـد يكـون العنـوان مدعـاة ً للجـدل ولافتـا للانتبـاه، فالمتوقـع اسـتهجانه مـن البعـض، لأن النـاس عـادة ً ترفـض ماهـو مغايـر ٌ لأعـراف المجتمـع، حتـى وإن كان لا يخـرج عـن دائـرة الديـن، وأقـرب مثـال ٍ مـا سـندلو بـه ِ فـي بِضـع سـطور ٍ معكـم ألا وهـو رفضهـم للمبـادرة فـي البحـث عمّـن يكـون أهـلا للـزواج مـن ابنتهـم.دعونـا نسـتذكر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *