لا تُصالح

هي دعوة لعدم الصلح . أما سمعت الشاعر أمل دنقل ماذا يقول في قصيدته الشهيرة، صارخًا في الذاكرة: 

لا تصالح ولو منحوك الذهب، أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما… هل ترى؟  إنها أشياء لا تُشترى.

وأنا أقول لك إذا دعوك إلى الصلح فلا تصالح؟ بيّنوا لك فضل العفو فلا تعفو؟ هل تدعو يا سلطان إلى القطيعة بين الأقارب والأرحام؟ هل تدعو إلى الخصومة بين أبناء المجتمع ونشر العداوة والبغضاء بين الناس؟ طبعًا لا، فأنا لست كذلك، فأنا أدّعي بأنني شخص متسامح، بل جدًا… ليس لأن العفو مذموم، ولا لأن التسامح ضعف، ولكن لأن لكل شيء موضعه، ولكل موقف ميزانه، ولأن الكرامة والحقوق ليست سلعة تُدفع ثمنًا لراحة الآخرين.

في حياتنا نتعرض أحيانًا لألم شديد وجروح غائرة بسبب تجاوزات الآخرين وأخطائهم، أخطاء تتكرر حتى يفقد الاعتذار معناه، ويتحول التجاوز إلى عادة، والسكوت إلى فرصة لمزيد من التمادي. يحدث ذلك حين لا يعود الدين يوقظ ضمير صاحبه، ولا الحياء يمنعه، ولا القرابة تردعه. وبينما نعاني من تلك التجاوزات، نتحمل تارة ونغض الطرف تارة أخرى، حفاظًا على الود، وصونًا للعلاقات، وطلبًا للأجر، حتى يأتي من يفسر صبرنا على أنه ضعف، وحلمنا على أنه عجز، وسكوتنا على أنه خوف. لقد فهم بعض الناس الدين والعادات على نحو خاطئ، فظنوا أن العفو يعني أن يتنازل الإنسان دائمًا، وأن الصبر يعني أن يسمح للآخرين بتكرار إساءتهم، وأن التسامح يعني أن يترك المعتدي بلا حساب. وهذا خلل كبير في الفهم ، لأن التنازل الدائم من الجميع لا يصنع مجتمعًا متسامحًا، بل قد يصنع بيئة يتعلم فيها صاحب الشر أنه لا ثمن لفعله، وأنه يستطيع أن يكرر خطأه كل مرة، وأن لا قيمة للآخرين في نظره، ثم يجد من يطلب من المتضرر أن يعفو عنه ، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فحين تحاول أن تضع حدًا للتجاوز بالطرق المشروعة التي شرعها الإسلام وسنّتها قوانين الدولة، يظهر أولئك الذين صمتوا طويلًا، ثم اختاروا أن ينطقوا في أسوأ اللحظات، فيطالبونك بالعفو والتنازل والتغاضي، ويغلفون مطالبهم بكلمات جميلة، ويستشهدون بالآيات والأحاديث، وكأن الأجر لا يكون إلا على حساب المظلوم، وكأن التسامح لا يصبح فضيلة إلا إذا كان الثمن حقك وكرامتك.

وأين كانوا حين كنت تتألم؟ أين كانوا حين كانت التجاوزات تقع أمام أعينهم؟ كانوا يرون ويسكتون، ويشاهدون وينصرفون، وكأن الأمر لا يعنيهم، ثم إذا قررت أن تدافع عن نفسك أصبحوا فجأة حراسًا للعفو والصفح. نعم، لقد أثنى الله على العفو والصفح، ولكن العفو ليس كلمة تُنتزع من سياقها لتصبح سيفًا على رقبة المظلوم. هناك عفو يأتي بعد إصلاح، وصفح يفتح بابًا للصلح، وهناك مواقف يكون فيها ردع الظالم ومنع الضرر هو الأقرب إلى العدل ” ولكم في القصاص حياة  ” والقوة ليست نقيض الإيمان، كما أن الدفاع عن الحق ليس خروجًا عن الأخلاق. فالإنسان مطالب بأن يحفظ كرامته وماله وعِرضه، وألا يجعل من طيبته طريقًا يعبر عليه الآخرون إلى إيذائه واستحقاره. العفو جميل حين يكون صاحبه قادرًا عليه، والتسامح نبيل حين يكون في موضعه، لكن العفو لا ينبغي أن يتحول إلى تصريح مفتوح للآخرين كي يكرروا الإساءة. ومن يخطئ مرة ثم يندم ويعتذر ويسعى إلى إصلاح ما أفسده، ليس كمن يتعمد الخطأ، ويعرف أثره، ثم يكرر الفعل دون اكتراث. ليس كل خطأ سواء، وليس كل مخطئ سواء، وليس كل اعتذار دليلًا على الندم. نحن بحاجة إلى أن نربي هذا الجيل على معرفة حقوقه، لا على الخوف من المطالبة بها، وعلى أن يكون متسامحًا دون أن يكون مستباحًا، طيبًا دون أن يكون ساذجًا، عافيًا دون أن يكون ضعيفًا. نحتاج أن نعلم أبناءنا أن وضع الحدود ليس خصومة، وأن ردع المعتدي ليس انتقامًا، وأن الدفاع عن الكرامة ليس غرورًا.

إنها ليست دعوة إلى القسوة، ولا تحريضًا على الانتقام، وإنما دعوة إلى معرفة متى نعفو ومتى لا نعفو، ومتى يكون الصفح إصلاحًا ومتى يتحول إلى تشجيع على التمادي. فليس كل جرح يمكن تجاوزه، وليس كل إساءة يمكن دفنها تحت عنوان التسامح، وليس من العدل أن نطالب المظلوم دائمًا بأن يكون الطرف الأكثر أخلاقًا، بينما نمنح المسيء في كل مرة فرصة جديدة ليكرر إساءته.

فالكرامة لا تُشترى، والحقوق لا تُوهب لمن اعتاد انتهاكها، والعفو فضيلة حين يكون اختيارًا حرًا، لا حين يكون تنازلًا مفروضًا على من أُرهق من كثرة الألم . 

موضوعات ذات صلة

  • الرقابة الذاتية

    اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض…

  • الهوية الوطنية

    حقٌّ لأجيالنا وللأجيال القادمة أن تعرف ما بذله قادة هذه البلاد ورجالها المخلصون من تضحيات وأنفُس ودماء ومشاقّ في سبيل توحيدها والمحافظة على مكتسباتها وكينونتها، وإرساء الأمن في أقطارها، فقد أدركوا أن من لا وطن له لا هوية له. ونستذكر وإياكم إحدى معاركهم الخالدة التي تُعَدّ آخر معارك الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الكبرى، معركة السبلة…

  • تأدب في حضرة الجرح

    يوم آخر يتجول بين فكرة الغرق في هذه الدنيا، وبين الأحداث التي تحاول سحبنا إلى أكبر قدر ممكن من العمق، فإن طفوّنا فوق سطحه فقد يكشِفُنا للملأ، وبقاؤنا في القيعان يقطع أنفاسُنا الممتلئة بالهلع، وبين هذا وذاك تمر مجريات الحياة التي تهوِن عليك بتقدير العظيم العزيز.وهُنا في حقيقة هذا اليوم، أستمع لهاتفي الذي بدأ بالصراخ،…

  • شاركهم

    أحبّذُ رواية القصص لأبيّن ما أفكر به وما أرغب في إيصاله لكم أصبحت أتخيّلكم وأردد هل سَيَعينني قُرّاء حرفي أم لا ؟ وأرجو ألا تقف جُملةً لتحول بيني وبين فهمي وإدراك فكرتي وها أنا ذا أقصص عليكم تجربةً تروي قصة الفتاة التي عانقت والدها بحرفها ومشاعرها لتصف نجاحها لي وهي اليوم اخصائية اجتماعية وصانعة محتوى…

  • المواقف فاضحة

    وجدت العلاقات للراحة والأنس والألفة ومد يد العون عند الحاجة ففي حياتنا أصدقاء كثر، ومع تزايد علاقاتنا ينبغي وضع رتب لها فليست كل الصداقات متينة وليس كل صديقٍ وفي مدى الدهر، فهناك أصدقاء عمل نرتبط بهم بوظيفة أو شراكة أو عمل معين فتكون علاقتنا بهم في حدود العمل فلا نرفع سقف التوقعات بهم في أمور…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *