النجاح يتسع للجميع

يا رفيق دربي خالد…

لو علمت كم في الطريق من تعب خفي ، وكم في كل قصة نجاح من دموع لم تُرَ، وسهر ليل حتى بزوغ الفجر، ومفارقة الأُنس والدَّعة ، لصفقت قبل أن تقارن، وباركت قبل أن تتحسّر ، فكلّ نجاح هو حكاية صبر، وكل إنجاز هو أثرُ معركة داخلية لا يسمع صداها أحد.

في زحمة الحياة، حيث تتسارع الخطى وتعلو وتيرة الطموح، يختلط على البعض معنى النجاح، فيظنه مساحة محدودة لا تتسع إلا لقلة محظوظة، أو سباقا لا يكتمل إلا بإقصاء الآخرين ، غير أن الحقيقة أوسع من هذا التصور الضيّق ، فالنجاح ليس حلبة صراع ولا اقتتال، بل ميدان سعي وجهد وبذل ، وليس موردا شحيحا، بل فيض يتجدّد لكل من أحسن الطلب، وليس رغيف خبز  يتناقص كلما تناولنا منه ، بل هو نهر جار ينهل منه الجميع.

إنّ من أخطر ما يفسد روح بيئة العمل أن يتحول نجاح الفرد إلى مصدر قلق لغيره، أو باعث على الحسد والخصومة ، فحين يُستقبل التميز بالريبة، ويُقابل التفوق بالتقليل، تفقد القيم معناها، ويبهت وهج الإنجاز ، وليس ذلك إلا نتيجة فهم قاصر لطبيعة الأرزاق، وكأن ما يناله إنسان يُنتزع بالضرورة من نصيب سواه. والواقع أن لكل إنسان مساره الخاص، وتوقيته الذي لا يتكرر، وظروفه التي تصنع تجربته الفريدة. فلا نجاح يُشبه آخر، ولا إنجاز يُقاس بمعيار واحد ، وما يبلغه غيرك اليوم قد يكون ثمرة سنوات من العمل الصامت، أو نتيجة صبر طويل لا يُرى على السطح ، لذا فإن المقارنة الجائرة لا تظلم الآخرين فحسب، بل تُرهق صاحبها وتُضعف عزيمته.

بيئات العمل الناجحة هي التي تُدرك أن تميز أفرادها رصيد مشترك، وأن التفوق الفردي ينعكس على المجموع ، ففي بيئة تشجع وتحتفي، تنمو المواهب، وتُصان الطاقات، ويصبح التفوق عدوى إيجابية تنتقل بين الناس. أما حين يسود الحسد، وتُغذى روح العداوة، فإن الخسارة لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية بأكملها ، وكلنا يتذكر أول قصة قتل في التاريخ البشري، ذُكرت في القرآن الكريم في سورة المائدة، وتدور حول ابني آدم عليه السلام ، إذ قدّم الأخوان قربانين، فتقبّل الله من هابيل لطيب نفسه، ولم يتقبّل من قابيل لحسده وسوء نيته، مما دفعه إلى قتل أخيه بدافع الحسد. وليس المطلوب من الإنسان أن يتخلى عن طموحه، أو أن يقلل من شأن إنجازه، بل أن يُدرك أن الطريق يتسع للجميع، وأن المنافسة الحقيقية هي مع الصعاب لبلوغ الأهداف، لا مع الآخرين. ما أجمل أن يكون نجاح الآخرين مرآةً نرى فيها ما يمكن أن نكون عليه، لا جدارا نصطدم به ، وما أصدق أن نمد أيدينا مهنّئين بدل أن نقبضها متحسرين . ففي التهنئة حياة للروح، وفي الحسد موت بطيء لا يشعر به إلا صاحبه. النجاح لا يطلب منا أن نتقاتل لأجله، بل أن نتسابق بقلوب نظيفة، وأن نمضي في طرقنا دون أن نُعثر غيرنا. فإن وصلت، فامدد يدك لغيرك، وإن تأخرت، فلا تُعكّر وصول أحد.

وفي النهاية، يا صديقي العزيز، لن يبقى في الذاكرة ماحققناه من مكاسب وبلوغ مناصب ، بل كيف نظرنا إلى نجاح غيرنا ، هل ضاقت صدورنا به، أم اتسعت قلوبنا له؟ هناك فقط يُقاس جمال الإنسان ، وأظنك يا خالد ذلك الرجل المبارك، المصفّق لنجاح الآخرين . 

موضوعات ذات صلة

  • علاقات قيد التشكّل

    اصبحت بلا روح ولا نكهة كمن يحتسي كوبا من الشاي خالياً من السكر او من يرتشف قهوته بعد عمل شاق دون تناول شيئاً من الكعك .نمط مُمل اعتدنا عليه في الأونة الأخيرة اذهب متعة اجتماعاتنا ، ودق المسمار الأخير في نعش ترابُطنا الأسري ، غشي الصغير قبل الكبير ، والمرأة قبل الرجل ، نعم لازلنا…

  • قيود صامتة

    تناقضٌ عجيب وانعكاسٌ خطير ، لم تعد الابتسامة دليلًا على الرضا، ولا الصمت مؤشرًا على القبول، ولا الموافقة دليلًا على الاقتناع فالمشهد الاجتماعي اليوم أشبه بساحة حربٍ من الإشارات المغلوطة والابتسامات المزيفة ،فكثيرٌ من الناس يضحكون بينما يغلي الداخل غضبًا أو خيبة، وصمتُ آخرين ليس طواعيةً، بل خوفٌ وامتناعٌ عن المواجهة فالحقيقة صارخة المجتمع يعكس…

  • النجاحات تولد من رحم المعاناة

    لانستطيع اختيار عائلاتنا والبيئة التي ندرك الحياة ونحن بأوسطِها. إلا أنَّنا نستطيع التحكم بكل ما خيَّرنا الله فيه ووضعه بأيدينا ، إلا أنَّ هنالك من يرى أن وضع أسرته لايواكب حياته، ولا يُلبِي طموحاته أو يحقق أهدافه ، إلا أنَّه عندما يَعِي وضعه وما يمكنه فعله ويفكر خارج الصندوق بعيدآ عن المألوف ، فمن المؤكد…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • ضحكات تائهة

    هل شعرت يومًا أنك تتقيأ جزءًا منك من شدة ما تشعُر به ؟ كأنك ترغب في سحب كل أشلائك التي تقطُن بداخلك كي يمتلئ الفراغ، ويخف الحمل، لكنك لا تستطيع فعل أي شئ، فالمرء لا يسلم من أحداث حياته المؤلمة ،والمواقف التي تعتصره حتى يصفو، ولا يصفو إلا من ضحكته التائهة التي طال بحثه عنها،…

  • مع المحبرة إلى المقبرة 

    في زمنٍ يتغيّر فيه كل شيء من حولنا بسرعة تكاد تُربك البصر، يبرز مبدأ “مع المحبرة إلى المقبرة” كقيمةٍ جوهرية ينبغي أن نعيد اكتشافها فالعلم لم يعد مجرد مرحلة دراسية، ولا بوابة للحصول على وظيفة، بل أصبح ضرورة وجودية يترتب عليها بقاء الفرد فاعلًا ومؤثرًا في عالم لا ينتظر المتباطئين. لقد أصبح واضحًا أن الذين…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *