ترانيم العُبور في شوق اللقاء

بعد هجعة من النوم ، ومع بداية نهاية الضجيج وسكون كل شيءٍ كأن الكون أطبق على أنفاسه ، من هنا بدأت مراجعة الحسابات بعيداً عن صخب الحياة وتداخلها. كانت فرصة للتأمل إذ خلوت بنفسي أفتش في عتمة السكون عن شيءٍ يطمئن القلب ، وبينما أنا غارق في صمتي، إذ بروحي ترتحل بعيداً عن حدود العقل ومداركه، إلى آفاق لا يبلغها إلا الشوق إذا صفا، والإيمان إذا امتلأ يقيناً.

هناك… أبصرتُ الجنة.

رأيتها في جلال سكونها، خالية من صخب البشر وضجيج الدنيا، كأنها تنتظر أهلها في مهابة تليق بوعد الرحمن ، وتأملت ما ادّخره الله لعباده من نعيم مقيم، لا يشيخ ولا يزول. أُعدّت لنا ؟! نعم كمسلمين ويقيناً برحمة الله، وحسن ظن بفضله الواسع، وإن كانت بضاعتنا من العمل مزجاة، وزادنا قليل، والطريق طويلا موحشاً ، فلولا لطف الكريم ما بلغ عبد أعتاب رحمته. عشت هيبة الوقوف عند الأبواب، لحظة أن يُنادى على وفود الرحمن. غمرني هناك شعور دافئ بمهابة الاستقبال، كأنني لستُ عابراً مجهولاً، بل ضيف طال انتظاره، وها هي أبواب الخلود تُفتح له بمحبة تليق بأهل الكرامة.

وما إن وطئتُ الجنة بروحي، حتى استنشقتُ عبيراً لم تلوثه أنفاس الأرض، وطفتُ بقلبي بين قصورٍ شُيّدت من ضياء، وأنهار تجري رقراقة كأنها تسكب الطمأنينة في الأرواح، وظلال وارفة تتدلى ثمارها كأنها تشتاق إلى من يقطفها.

ورأيتُ في مرآة الروح جمال الخلد متجلياً في وجوه الولدان والحور، واستحضرتُ أطياف أحبة واريناهم التراب، لكنهم ما غابوا يوماً عن سويداء القلب، حتى بلغتُ منتهى المُنى، وأقصى ما تتوق إليه الأرواح ، لقاء الحبيب المصطفى ﷺ وصاحبيه، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا كدر فيه ولا فراق. سمعتُ صوتاً ينادي: “هلموا لزيارة ربكم” نعم.. وُعدنا في الدنيا برؤيته سبحانه وتعالى، فكشف الحجاب، وأشرقت الأرواح بنور ربها. هنا يبلغ المؤمن غاية النعيم التي لا يشبهها نعيم، ولا يمكن وصفها . فليست الجنة قصورا وأنهارا فحسب، بل أعظم ما فيها تلك اللحظة التي تفيض فيها القلوب شوقا وهي تنظر إلى وجه الله الكريم.

هناك… تسكن كل الآلام، وتنطفئ كل الأحزان، ويشعر المؤمن أن كل ما مرّ به في الدنيا كان هيناً أمام لحظة واحدة من لذة النظر إلى الله.

﴿وُجوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾؛ يملؤها السرور، وتغمرها الطمأنينة، لأنها أبصرت أعظم محبوب، وبلغت أسمى أمنية. يا لها من فرحة لا تُحكى، حين يسمع أهل الجنة نداء الرحمن، فيقبلون بقلوب خاشعة، ثم يغمرهم من الجلال والرحمة ما تنسى معه الأرواح نعيم الدنيا والآخرة إلا رضاه سبحانه. فما أعظمها من كرامة، وما أجلّها من لحظة، أن يرى المؤمن ربَّه راضيا عنه، فيعلم أن الرحلة انتهت إلى أعظم غاية، وأن القلب الذي طال شوقه قد ارتوى أخيراً من نور القرب الإلهي.

انتهى ذلك التأمل، وعندها خرجت من أعماقي تنهيدةٌ طويلة، كأنني أنتزع بها وجع الدنيا وتعب السنين، وقلت بملء قلبي المرتجف:

“ذلك النعيم… لنا”.

ثم أفقت على خفقات صدري، تهمس لي أني ما زلتُ في دار الممر، وأن الطريق لم ينته بعد. فهاج في داخلي شوق عظيم إلى مولاي، وارتفع النداء من أعماق روحي قبل لساني:

“يا رب، من أحبَّ لقاءك فأحبَّ لقاءه”.

موضوعات ذات صلة

  • سنشد عضدك بأخيك

    تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي…

  • إذا سبّح القيطون فقد همّ بسرقةٍ

    كانت ملاكًا تمشي هوينًا على الأرض، كأنها حديقة غنّاء أزهرت بأجمل الورود، بل إنها كالمطر الذي هطل على الأرض فأطرب لصوته الحيوان والنبات قبل الإنسان، نورٌ انسدل في منزلنا عندما قدمت، جمعت كل الصفات الرائعة: الصدق، والأمانة، والتدين، والخُلق الحسن. هذا الوصف ليس (لانيا تايلور) بناءً على مقياس المعيار اليوناني الذهبي للجمال، بل لإحدى العاملات…

  • الّذين أضاعوا السماء 

    هاتفني أحد الزملاء يوماً يدعوني لنزهة بريّة نكسر بها رتابة الأيام ومشاغلها، ونعيد النشاط لأرواحنا وأجسادنا بعد أسبوع من العمل المرهق، فبادرته بالموافقة مستبشراً، وما هي إلا ساعة حتى امتطينا جياد الرحيل ويممنا وجهتنا شطر الفضاء الواسع. وحال وصولنا أنخنا مطايانا في حضن الصحراء الممتدة، وتقاسمنا المهام بهمة ونشاط ، فذاك يوقد النار ويعد القهوة،…

  • قف على ناصية الحلم وقاتل

    من النماذج المعاصرة الملهمة ، المهندسة المعمارية التي كانت تحلم بدراسة الطب البشري فصاحبت حُلُمَها الذي رافقها منذ الطفولة، وهي التي تغَنَّت بقول المتنبي حين كان يُسأل: كيف حالك؟ فيقول أُصاحب حلمي ، لعلها اتخَذته أسوةَّ دُون أن تشعر .ولكنها لم تلبث كثيرآ حتى سُدَّت الأبواب في وجهها ؛ حين اندلعت الحرب في بلدها بعد…

  • الأم البيولوجية

    بين سؤالٍ وجواب خجولان من بعضهما كشخصين للمرة الأولى يلتقيان، أنحن لا نستطيع أن نُضيف لبيوتنا الدفء ؟ أم أحضاننا الدافئة لا تُبنى فيها بيوت لأبنائنا ؟ لا إجابة تُشفي التساؤلات عند البعض أو تستطيع الوقوف أمامها.وإن ما يؤرق الكثير، دخول شخص غريب إلى الأسرة ؛ للقيام بجزءٍ من واجباتها إن لم يكن جلها، يبني…

  • سلطان مابك ، هل أنت على مايرام ؟

    أنا سلطان بن عيد المرشدي أوصي بأنني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي من تركت من أهلي وسائر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *