مخرج طوارئ

ما وُضِعت مخارج الطوارئ إلا للنجاة من شرٍّ قد اقترب.

فلا تنتظر أن يحترق المكان بالكامل ثم تبحث عن الباب؟ في زحام الحياة، وتصاعد ضغوطاتها اليومية، نمضي أحيانًا مثقلين بما لا نبوح به، نحمل فوق أكتافنا تفاصيل لا يراها أحد، ونخوض معارك صامتة لا يسمع ضجيجها سوانا. يجد الإنسان نفسه أحيانًا محاصرًا في أزقة ضيقة مظلمة تفتقر لأدنى مقومات السلامة ، التزامات متراكمة، ظروف قاسية، توقعات مخيبة، وظيفة حطمت طموحاته وقتلت شغفه، علاقات سامة أرهقت تفكيره وآلمت جسده، تضحيات تقابل بنكران، أبواب أُغلقت في وجهه، وصورة صنعناها لأنفسنا ثم أصبحنا سُجناء لها.

ثم يأتي السؤال الأهم  ذلك السؤال الذي يتجاوز كل التفاصيل، ويضعنا مباشرة أمام الحقيقة التي طالما حاولنا تأجيلها لماذا يخيفنا كل تغيير في حياتنا؟ وننسى وسط هذا الضجيج أن ثمة بابًا ومخرجًا للطوارئ، فبعض المخارج نجاة. مخرج الطوارئ ليس هروبًا من الواقع ولا تنصلًا من المسؤولية، بل هو مساحة أمان ذكية نقتطعها لترتيب حياتنا ومسؤولياتنا. إنه تلك اللحظة التي نتوقف فيها لنلتقط أنفاسنا، ونبتعد قليلًا عن المشهد لكي نراه بوضوح أكبر. قد يكون مخرج الطوارئ كتابًا ننعزل معه، أو ممارسة للرياضة، أو جلسة تأمل هادئة، أو الاعتكاف بمسجد الحي برهة من الزمن، أو السفر والترحال، أو اتخاذ قرار مصيري. إن غياب هذا المخرج يجعل النفس عرضة للاحتراق الداخلي فالضغط المستمر دون منفذ لتفريغه يؤدي حتمًا إلى الانهيار. تذكر دائمًا أن الخروج المؤقت لإنقاذ سلامك الداخلي هو أول خطوات القوة للعودة بذهن أصفى ورؤية أوضح.

لسنا ننقل عن حياتنا وحياة الآخرين صورة سوداوية، ولكن بتعاملنا مع الكثير من القضايا التي تردنا في الاستشارات الأسرية والنفسية، نرى من يحترق مع قدرته على النجاة والوصول لمنطقة الراحة بمجرد اتخاذ القرار والاتجاه لمخرج الطوارئ الذي يختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى. فقد أوهمونا بتكرار ذلك المثل الذي يرمز للتضحية والعطاء ، كن شمعة تحترق لتضيء الآخرين ، فهم يريدونك أن تحترق لأجلهم، ولكن لا يريدونك قمرًا منيرًا وضاءً بنوره الذي ملأ الأرجاء إذا أرادك الناس ترفع نظرها إليك، فإن لنفسك عليك حق ، فأنت أولًا والبقية تباعًا.

موضوعات ذات صلة

  • الرقابة الذاتية

    اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض…

  • من ترك ملك

    ذات مرة التفت جلال الدين الرومي إلى شمس الدين التبريزي، وفي صدره لظى يتوقد، فسأله عن كيفية إخماد لظى النفس وهدأة اضطرابها، فأجابه التبريزي أن ذلك لا يكون إلا بالاستغناء، فمن ترك ملك الدنيا وحاز حرية الروح. لقد صاغ الباري لهذا الإنسان وجهاً جُبِل على الشموخ والارتفاع، لا على الانحناء والارتكاس، فمن أراد النَّفَس العزيز…

  • إذا سبّح القيطون فقد همّ بسرقةٍ

    كانت ملاكًا تمشي هوينًا على الأرض، كأنها حديقة غنّاء أزهرت بأجمل الورود، بل إنها كالمطر الذي هطل على الأرض فأطرب لصوته الحيوان والنبات قبل الإنسان، نورٌ انسدل في منزلنا عندما قدمت، جمعت كل الصفات الرائعة: الصدق، والأمانة، والتدين، والخُلق الحسن. هذا الوصف ليس (لانيا تايلور) بناءً على مقياس المعيار اليوناني الذهبي للجمال، بل لإحدى العاملات…

  • سلطان مابك ، هل أنت على مايرام ؟

    أنا سلطان بن عيد المرشدي أوصي بأنني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي من تركت من أهلي وسائر…

  • امحها يا علي

    لا بد أن تُرغمك الظروف يوما ما على تقديم تنازلات ليس ضعفا منك بل سعيا للحفاظ على أشياء أُخرى لتبقى.امحها يا عليمن الحكمة والعقل أن تتجاوز أحيانا لأجل تحقيق مبادئ أُخرى تراها ستحقق لك الكثير أو تُزيل عنك بعض العقبات والمصاعب.امحها يا عليفي معترك الحياة ستجري بك السفينة إلى غير وجهتك ولكي تعيدها للمرفأ الذي…

  • علاقات قيد التشكّل

    اصبحت بلا روح ولا نكهة كمن يحتسي كوبا من الشاي خالياً من السكر او من يرتشف قهوته بعد عمل شاق دون تناول شيئاً من الكعك .نمط مُمل اعتدنا عليه في الأونة الأخيرة اذهب متعة اجتماعاتنا ، ودق المسمار الأخير في نعش ترابُطنا الأسري ، غشي الصغير قبل الكبير ، والمرأة قبل الرجل ، نعم لازلنا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *