الرقابة الذاتية

اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض حريـة الدخـول والتنقـل عبـر الكثيـر مـن المواقـع، وهنـا مَكّمَـن الخطـر الـذي غفـل عنـه بعـض الآبـاء ،فهنـاك الكثيـر مـن المواقـع التـي تدعـو للرذيلـة، ناهيـك عـن كَـمّ الألعـاب التـي تُعـزز فيهـم العنـف والتمـرد، وتُسهل وقوعهـم فريسـةً لمواقـع هدفهـا الثـورة الفكريـة التـي تُغيِّـر عقولهـم وأفكارهـم، كمـا حـدث فـي مدينـة الريـاض عندمـا أقـدم شـابَّان علـى تنفيـذ جريمـةٍ مروِّعـة بحـق والدهمـا ووالدتهمـا متأثريـن بهـذه الثـورة الفكريـة بالفعـل، ففـي تمـام السـاعة الواحـدة فجـر الجمعـة الموافـق ١٩ / ٩ / ١٤٣٧ ، باشـرت الجهـات الأمنيـة بلاغـاً تلقتـه عـن إقـدام شـقيقين توأميـن (مـن مواليـد ١٤١٧هـ)، علـى طعـن كل مـن والدتهمـا البالغـة مـن العمـر ٦٧ عامـاً، ووالدهمـا البالـغ مـن العمـر ٧٣ عامـاً، وشـقيقهما البالـغ مـن العمـر ٢٢ عامـاً فـي عمـل إرهابـي تقشـعر لـه الأبـدان، ممـا نتـج عنـه مقتـل الأم وإصابـة الأب والأخ الشـقيق بإصابـات خطيـرة نُقِلا علـى إثرهـا فـي حالـةٍ حرجـةٍ إلـى المستشـفى فـي جريمـةٍ غيـر معهـودة فـي مجتمعنـا المُحافـظ، كل ذلـك يعـود إلـى أفـكار بعـض الجماعـات التـي نسـجت نفسـها وتجـذّرَت فـي عقـول الأبنـاء مـن خلال الانترنـت.

إن انحرافـات الأبنـاء بسـبب سـوء اسـتخدام التقنيـة بـدأت تَكثُـر، والحـل ليـس بالمنـع بتاتـاً ؛ بـل مـن خلال المتابعـة وغـرس الرقابـة الذاتيـة فيهـم وتعزيزهـا لديهـم، وهـي شـعور وضابـط داخلـي يمنعهـم مـن ارتـكاب كل مـا يُخالـف الديـن والأخـلاق، يكتسـبونه مـن خلال التنشـئة الأسـرية منـذ الطفولـة علـى حُـب الله ووجـوب طاعتـه، ومـن خلال تعليمهـم أسـماء الله وصفاتـه، فلـو أدركـوا معنـى السـميع البصيـر لاستشـعروا أن الله مُطَّلـع ٌ عليهـم فـي كل زمـان ومـكان، ومصادقة الأبناء من خلال القرب منهم ،والتلطف لهم ، وتنمية مهاراتهم ،واستغلال ميولهم بما يعود عليهم بالنفع ، واختيـار الصحبـة الصالحـة خيـر معيـن لهـم، وحثُّهم علـى مناصحـة أقرانهـم عنـد الوقـوع فـي الخطـأ، لأن ذلـك سـيمنعهم مـن تكـرار نفـس التجربـة، ويسـتطيع الأبويـن تنميـة الرقابـة الذاتيـة مـن خلال سـرد قصـصٍ تُلهمهـم وتحمـل فـي طياتهـا مواقـف إيجابيـة .

لفتة مهمة :

وهـي أنَّ الرقابـة الذاتيـة لا تعنـي تـرك الحبـل علـى الغـارب للأبناء، بـل يجـب الانتبـاه لهـم ومتابعتهـم، فالجمـع بيـن المتابعـة وزرع الرقابـة الذاتيـة سـيكون لـه نتائـج مُذهلـة لحفـظ الأبنـاء مـن الوقـوع فـي مسـاوئ التقنيـة .

موضوعات ذات صلة

  • الهوية الوطنية

    حقٌّ لأجيالنا وللأجيال القادمة أن تعرف ما بذله قادة هذه البلاد ورجالها المخلصون من تضحيات وأنفُس ودماء ومشاقّ في سبيل توحيدها والمحافظة على مكتسباتها وكينونتها، وإرساء الأمن في أقطارها، فقد أدركوا أن من لا وطن له لا هوية له. ونستذكر وإياكم إحدى معاركهم الخالدة التي تُعَدّ آخر معارك الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الكبرى، معركة السبلة…

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • لست عبئاً على أحد

    خُرقِت السفينةُ ، سُفِك دم الغلام ، وبُني الجدار، يبدو النَّظرُ إلى الأمرِ من بعيد مخيفًا ومقلقًا ، إلا أنَّنا كُلَّما اقتربنا ونظرنا بعين العمق ، وجدنا أن العليم الخبير بابهُ فيه الرحمة وظاهرهُ كما رأت أعينكم ، فكذلك هي سائر أحداثِنا وما يقع حولَنا وعلينا ،قد تحدث في حياتنا أمورٌ لا نتمناها ونظنُّ أحياناً…

  • تأدب في حضرة الجرح

    يوم آخر يتجول بين فكرة الغرق في هذه الدنيا، وبين الأحداث التي تحاول سحبنا إلى أكبر قدر ممكن من العمق، فإن طفوّنا فوق سطحه فقد يكشِفُنا للملأ، وبقاؤنا في القيعان يقطع أنفاسُنا الممتلئة بالهلع، وبين هذا وذاك تمر مجريات الحياة التي تهوِن عليك بتقدير العظيم العزيز.وهُنا في حقيقة هذا اليوم، أستمع لهاتفي الذي بدأ بالصراخ،…

  • شاركهم

    أحبّذُ رواية القصص لأبيّن ما أفكر به وما أرغب في إيصاله لكم أصبحت أتخيّلكم وأردد هل سَيَعينني قُرّاء حرفي أم لا ؟ وأرجو ألا تقف جُملةً لتحول بيني وبين فهمي وإدراك فكرتي وها أنا ذا أقصص عليكم تجربةً تروي قصة الفتاة التي عانقت والدها بحرفها ومشاعرها لتصف نجاحها لي وهي اليوم اخصائية اجتماعية وصانعة محتوى…

  • خيم الاعْتِفار

    عرفت مكة تقليداً حزيناً يُسمى الاعْتِفار قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ، حيث كانت الأسرة إذا ضاقت بها سبل العيش خرجت بصمت إلى شعاب مكة ونصبت خيمةً تواري فيها انكسارها، تنتظر الموت جوعاً بعيداً عن أعين الناس، صوناً لكرامتها من ذُلّ السؤال.فلما نزل الفقر بأسرة كبيرة من بني مخزوم وهمّوا بالاعتفار، تناهى الخبر إلى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *