الأم البيولوجية

بين سؤالٍ وجواب خجولان من بعضهما كشخصين للمرة الأولى يلتقيان، أنحن لا نستطيع أن نُضيف لبيوتنا الدفء ؟ أم أحضاننا الدافئة لا تُبنى فيها بيوت لأبنائنا ؟ لا إجابة تُشفي التساؤلات عند البعض أو تستطيع الوقوف أمامها.
وإن ما يؤرق الكثير، دخول شخص غريب إلى الأسرة ؛ للقيام بجزءٍ من واجباتها إن لم يكن جلها، يبني أركانها، ويوطد المشاعر مع أجزائها الصغيرة المتلهفة لدفء أيدينا، وحنان هذا المكان الذي لا يُمكن أن يُعوَّض بسواه.
ولكن رغم كل هذه الحاجة الماسة، لقد خاضت الحياة تغيرات،وتقلبات حتى على هذه الكينونة والملجأ الذي نأوي إليه من زخم الحياة وضجيجها، فمع الانفتاح الكبير على العالم، وانشغال الأب والأم جسديًّا، بل وروحيًّا عن أبنائهما، رغم أنهم يعيشون تحت سقف واحد، وبذخ العيش، ووفرة المال، وإنفاقه هنا وهناك، وسيطرة المظاهر الكاذبة على نمط الحياة، جعل الكثير يستعين بالخادمة، والسائق، دون الحاجة الملحة لهما، وقد يفتقدهما الأبناء في غيابهم أكثر من افتقادهم لأمهم البيولوجية، ووالدهم ، وكأنما وضعوا أبناؤهم على أرصفة الحياة في ليلةٍ ماطِرة لينجو هُم من الغرق.
وقد رأيت مثالا؛ لأن يرتاب أب من ألا يكون هو الصديق الأول لأبنه ، ولا المأمن الذي يتجرد فيه من كل مخاوفه، وجدران حذره، كنت قد ذهبت لأصلي العشاء في المسجد المجاور لمنزلي، وأثناء خروجي قابلني شخصٌ ما وعرّفني بنفسه، فرحبت به فأتبع كلامه قائلاً: سمعت أنك تعمل عضوا ومرشدًا نفسيًا في إحدى الجامعات ! أومأت برأسي وقلت: نعم، كيف أستطيع أن أخدمك؟ وفي داخلي معرفة تامة إلى أين يتجه حديثنا من الثواني الأولى، حيث استنتجت من أسئلته أن لديه مشكلة أسرية، ويبحث عن المساعدة.
قال : وكأن الدنيا تقف على أكتافه تسمع همه في تأوهاته، وتراها في شحوب عينيه -: المشكلة تخص ابني الصغير ، وتوقف يسترق النظر هنا وهناك، وكأنه يرغب في إخفاء خوفه على ابنه بإخفائه لسرد قصته، فدعوته إلى منزلي ليستطيع أن يروي حكايته، ويقص أطراف الحديث دون أن يتملكه القلق، قلت له: كلي آذانٌ صاغية، ولن أقاطعك إلا عند الحاجة، فاستطرد قائلاً: كنا أسرةً بسيطةً سعيدةً نشعر ببعضنا لا ينقصها شئ، فأنا أعمل جل وقتي من الصباح إلى المساء، وزوجتي ربة منزل، تدير بيتي، ومسؤولة عن تربية الأبناء، والأمور تسير على أحسن حال، وبدون سابق مقدمات، بدأت زوجتي تتذمر من الروتين الممل، وألحت عليَّ أن أجد لها فرصة عمل، رفضت الفكرة مرارًا وتكرارًا، فلدينا طفلين لازالا بحاجة إلى رعايتها واهتمامها، ومع إلحاحها المستمر، وتدخل من بعض أفراد أسرتها ، اضطررت أن أوافق على مضض، خاصةً وأنها تحمل شهادةً جامعية، ولكون أبنائي في مرحلة عمرية مبكرة، اضطررنا للاستعانة بخادمة لتحل مكان أمهم في غيابها، وتقوم بأعمال المنزل من تنظيف، وتحظير الطعام، خاصة وأن راتب الوظيفة لم يكن يغطي تكاليف الحضانة، أحضرنا الخادمة ، والتي سبق لها العمل في بيئة مشابهة لنا، ولحسن حظنا أنها كانت تتمتع بقلبٍ حانٍ ، وكانت تولي أبناءنا اهتمامًا كبيرًا وكأنها أمهم، بل كانت أكثر حنانًا عليهم من الأم، خاصة بعد انشغالها عنهم بعملها الجديد، وتحقيق ذاتها.
مكثنا على هذا الحال قرابة الثلاث سنوات، ونحن نرى أبناءنا يبتعدون عنا روحيًا شيئًا فشيئًا، وكأنهم لا يشبهوننا في شئ، جُل ما يحملوه منا “الاسم” ، فقد تأثر ابننا ، والذي كان في سن المحاكاة، والتقليد، بالخادمة ، وأصبح يقلدها في حديثها ، وأفكارها، بل كنت أحيانًا أجده يقلدها حتى في لباسها، أما الأصغر فأصبحت هي أمه بالفعل ، وقد أجزم أنه غير مدرك سوى لمشاعره التي تقوده إليها دونما أمه الحقيقية، فلم يعد يكترث لغيابها في وجود الخادمة ، أما عندما يفتقد الخادمة يجن جنونه، فقد ارتبط بها روحيًّا، وجسديًّا، ويبكي بكاءً هستيريًا إن غابت عنه ولو لدقائق ، فقد تعتقد لوهلة أن كل شئ توقف مع غيابها، ومع صراخه المتكرر أثناء النوم لابتعاده عنها، اضطررنا على إبقائه معها أثناء النوم.
لكن حدث ما لم يكن بالحسبان، أو حتى ما لم نتوقعه نحن بالفعل، ولم نخطط له، أو نستعد له كأدنى شئ، اقتربت اللحظة التي ستحسم أمرنا، وجاء اليوم الذي أخبرتنا إيليزا أنها تريد إنهاء خدماتها، والعودة إلى بلادها، وبدأت الكارثة من هُنا، فكيف سيتقبل أبناؤنا اختفاء أمهم ، وحضنهم الآمن والدافئ، لم نتوقع أن يكون لغيابها هذا الوقع على أطفالنا.
لقد مر ما يقارب الشهرين على رحيلها ونحن في جحيم لا يطاق، فأصبح الابن الأكبر منطويًا على نفسه لا يكلم أحدًا ، ولا يغادرغرفته ، حتى أنك تعتقد أنه فقد تواصله مع العالم الخارجي بالفعل ، ودون مبالغة – فقد نفسه – أما الابن الأصغر في بكاء لا ينقطع، بحثا عن أمه التي أغرقته بأمومتها، وتوسدت أعمق مشاعره، ما الحل الذي تنصحني به لنخرج بأبنائنا من هذا الحال؟ كيف نعود بهم من هاوية الطريق الذي وقفنا عليه دون إدراك نتائجه، ونرجعهم كما كانوا سابقًا؟
انتهى من سرد قصته ، وفي صوته عتاب يخنقه، وفي عينيه هلع يعذبه، فأجبته إجابة واحدة، وأنا ملم بكل الحلول النفسية، والتربوية: عليكم أخذهم إلى مختص نفسي، جن جنونه فلم يكن يتوقع إجابتي، قال مستنكرًا: يا أخي، لم المختص النفسي ؟! أولادي ليسوا مرضى نفسيين، فقلت: لن تستطيع حل مشكلتهم بين يوم وليلة، بل يحتاجون لعلاج معرفي، سلوكي، ومتابعة مستمرة، فقد تعرضوا لصدمة شديدة تشبه إلى حدٍ كبير صدمة من فقد أمه فجأة، طأطأ برأسه ندمًا وحسرة، فقلت: لا عليك شدة وستزول بمساعدة المختصين، ونصحته بزيارة أحد الأخصائيين في مركز معروف، وممن لهم باع طويل في هذا المجال، ومن هُنا استشعرت تجسيد وكأنما وضعوا أبناءهم على أرصفة الحياة في ليلةٍ ماطِرة لينجوا هُم من الغرق .

موضوعات ذات صلة

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • خيم الاعْتِفار

    عرفت مكة تقليداً حزيناً يُسمى الاعْتِفار قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ، حيث كانت الأسرة إذا ضاقت بها سبل العيش خرجت بصمت إلى شعاب مكة ونصبت خيمةً تواري فيها انكسارها، تنتظر الموت جوعاً بعيداً عن أعين الناس، صوناً لكرامتها من ذُلّ السؤال.فلما نزل الفقر بأسرة كبيرة من بني مخزوم وهمّوا بالاعتفار، تناهى الخبر إلى…

  • الهوية الوطنية

    حقٌّ لأجيالنا وللأجيال القادمة أن تعرف ما بذله قادة هذه البلاد ورجالها المخلصون من تضحيات وأنفُس ودماء ومشاقّ في سبيل توحيدها والمحافظة على مكتسباتها وكينونتها، وإرساء الأمن في أقطارها، فقد أدركوا أن من لا وطن له لا هوية له. ونستذكر وإياكم إحدى معاركهم الخالدة التي تُعَدّ آخر معارك الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الكبرى، معركة السبلة…

  • سلاحٌ ذو حدّين

    ندرك تمامًا أنَّ كُلَّ أشيائنا التي حولنا والتي ننعم بها في حياتنا ؛ قد تكون سلاحًا ذو حدَّين ،أوَّلُه ينتشل الأرواح لما تَسْتَّنيِرُ منهُ في الظلمات، وآخره بإمكانه أن يجعل النُور يتلاشى ، فقد تُستخدم بما يعود علينا بالنفع والفائدة ، وقد تَجلب الضرر عند سوء استخدامها ، إذاً فالإنسان هو من يتحكَّم بها ويوجهها…

  • المواقف فاضحة

    وجدت العلاقات للراحة والأنس والألفة ومد يد العون عند الحاجة ففي حياتنا أصدقاء كثر، ومع تزايد علاقاتنا ينبغي وضع رتب لها فليست كل الصداقات متينة وليس كل صديقٍ وفي مدى الدهر، فهناك أصدقاء عمل نرتبط بهم بوظيفة أو شراكة أو عمل معين فتكون علاقتنا بهم في حدود العمل فلا نرفع سقف التوقعات بهم في أمور…

  • علاقات قيد التشكّل

    اصبحت بلا روح ولا نكهة كمن يحتسي كوبا من الشاي خالياً من السكر او من يرتشف قهوته بعد عمل شاق دون تناول شيئاً من الكعك .نمط مُمل اعتدنا عليه في الأونة الأخيرة اذهب متعة اجتماعاتنا ، ودق المسمار الأخير في نعش ترابُطنا الأسري ، غشي الصغير قبل الكبير ، والمرأة قبل الرجل ، نعم لازلنا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *