لا طبنا ولا غدا الشر

شاهدت مقطعًا متداولًا قبل فترة لأحد المنتسبين للطب البديل زورًا وبهتانًا! رأيته بأم عيني وهو يجهّز رافعة بكلاليب (ونش) تُستخدم عادةً لرفع الذبيحة لتُسلخ. بادئ ذي بدء، ظننت أنه سيقوم بذبح جمل أو خروف سمين لإكرام ضيفٍ حلّ به، ولم أُعر اهتمامًا للمنظر الذي اعتدنا رؤيته كثيرًا في مسالخ البلديات ، لكن ما لفت نظري أنه وضعها في إحدى غرف المنزل، وهذا جعلني أستمر في المشاهدة.

فجأة قام مدّعي الطب بجريمة مروّعة! ذُهلت عندما رأيته يأمر شابًا مريضًا – جاءه مستنجدًا يطلب العلاج – بأن يضع رجليه في تلك الكلاليب، ثم رفعه بالونش ورأسه يتدلّى للأسفل! أغمضت عينَيّ غير مصدّق لما يجري، وقلت: لعلها مزحة كما يفعل بعض الناس في مقالبهم رغم خطورتها. لكني صُدمت حين ارتفع الشاب في الهواء، فإذا بذلك النكرة – الذي أُعطي بسطة في الجسد ولم يُعطَ بسطة في العقل – يضُم صدره إلى صدر الشاب ويسحبه للأسفل بكل قوته! أيقنت حينها أنه سيمزّقه إربًا: نصف معلق في السلاسل ونصف بين يديه ،صرخ الشاب صرخةً مدوّية، وأنينًا سمعه كل من على وجه البسيطة ما عدا ذلك المعالج المزيّف! لم أتمالك نفسي وكدت أفقد صوابي، كيف له أن يفعل هذا بشاب نحيل جاء طالبًا للشفاء؟

راودتني نفسي أن أبحث أكثر عن تلك الممارسات المنتشرة في مجتمعنا، وليتني لم أفعل! فقد وجدت العجب العجاب، فهناك من يُلقي المريض أرضًا، ثم يأمر مساعده بالجلوس على قدميه لشلّ حركته، ثم يلفّ حبلًا على عنقه ويسحبه بشدّة وكأنه ينفّذ حكم الإعدام! فيُغمى على المريض ويصعب تنفّسه، ثم يعود للحياة من جديد! وآخر يستخدم الميسم (أداة الكيّ) فيحرق أجساد المرضى ليترك بصماته من النار على أجسادهم ! وغيرهم ممن يبيعون خلطات عشبية مشبوهة، يروّجونها كعلاجات لأمراض مستعصية، وهي في الحقيقة مليئة بمواد كيميائية ومعادن سامة كالرصاص والزرنيخ والزئبق. وبعض أقاربي كادوا أن يفقدوا حياتهم بسبب تلك الخلطات التي تسبّب العقم والسرطان !

وما يزيد الطين بلّة، أولئك الذين يزعمون أنهم “خبراء عالميون”، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر صاحب “قناة الحقيقة” الذي كان يخرج الجن عبر شاشة التلفاز من بلدٍ إلى بلد، ويصرف الدواء عبر اتصال هاتفي، حتى انتهى به الأمر خلف القضبان!

فمن المسؤول عن هذا الانتشار السريع لمثل هؤلاء دون رقيب أو حسيب؟ لا أحد يمانع – مطلقًا – من الاستفادة من الطب البديل، لكن لابد من تقنينه. يجب وضع اشتراطات صارمة، ومقارّ مرخّصة تخضع للرقابة، كما هو الحال مع الحجامة التي أُجيزت في مراكز معتمدة ،ويمكن السماح لبعض الممارسين المؤهلين علميًا بفتح مراكز على أن يخضعوا لإشراف صارم ومتابعة دقيقة، أما ترك المجال مفتوحًا لدخلاء الطب الشعبي، فنتيجته أن يكون المريض ضحية لتجّار الوهم الذين لا همّ لهم سوى ما في جيب المريض. وليت المصيبة توقفت عند خسارة المال، لكن كثيرًا ما يخسر المريض صحته، وقد يخسر حياته!

وهكذا يصبح حاله كما يقول المثل:

لا طبنا ولا غدا الشر

موضوعات ذات صلة

  • شدة القرب حجاب

    نسمع أصواتهم وتأففهم وتذمرهم من حولنِا مستائين ضيق الحال وقسوته رغم تنعمهم ورغد عيشهم! وما كان ذلك إلا عندما امتدت أبصارهم لما عند غيرهم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهؤلاء ألفوا النعم واعتادوا عليها وانغمسوا في ملذاتها الكثيرة حتى ظنوا أنها لن تغادرهم، أو ربما لم يعودوا يرونها…

  • امحها يا علي

    لا بد أن تُرغمك الظروف يوما ما على تقديم تنازلات ليس ضعفا منك بل سعيا للحفاظ على أشياء أُخرى لتبقى.امحها يا عليمن الحكمة والعقل أن تتجاوز أحيانا لأجل تحقيق مبادئ أُخرى تراها ستحقق لك الكثير أو تُزيل عنك بعض العقبات والمصاعب.امحها يا عليفي معترك الحياة ستجري بك السفينة إلى غير وجهتك ولكي تعيدها للمرفأ الذي…

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • شاركهم

    أحبّذُ رواية القصص لأبيّن ما أفكر به وما أرغب في إيصاله لكم أصبحت أتخيّلكم وأردد هل سَيَعينني قُرّاء حرفي أم لا ؟ وأرجو ألا تقف جُملةً لتحول بيني وبين فهمي وإدراك فكرتي وها أنا ذا أقصص عليكم تجربةً تروي قصة الفتاة التي عانقت والدها بحرفها ومشاعرها لتصف نجاحها لي وهي اليوم اخصائية اجتماعية وصانعة محتوى…

  • الوظيفة الأصعب في العالم

    أمضينا عُمرُاً نتعلّم ( الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراق ) ، فالأم هي الركيزة الأهم في البناء ، الذي تستند عليه وعلى تنشئته للخروج للعالم الخارجي ، الأم ( يا أجمل المصطلحات التي لا تستطيع أن تجابهها المعاجم ، ولا يمكن أن تأتي بكلمة مثلها وإن جُمعت كل الأبجديات في هذه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *