غُصن حبق وكوب شاي

في زاوية هادئة من زوايا ذلك المقهى الجميل حيث التقيتُ بأصحابي، تبادلنا الإصغاء لأحاديث تأسر الروح، تارة ننبش في ذاكرة الأيام ونستحضر ما مضى منها، وتارة نجول في عوالم مختلفة ، ونحن نرتشف ذلك المشروب السحري ،شايًا ممزوجًا بأوراق الحبق وأغصانه، فلا يعلو في المدى صوتٌ فوق رشفاته، وكأننا لا نسكبه لنسد به ظمأ الأجساد، بل لنرتشف السكينة قطرة وراء قطرة ، وفي غمرة تنقلنا الماتع بين أحاديث ودية، كان الوقت ينساب بسكينة بالغة. رَويتُ لهم قصة عائلتين يزعم كل طرف منهما أنه الأصل والآخر مجرد أسم دون هوية ، حتى احتدم الخلاف بين أبنائهما ووصل إلى حد التهديد والوعيد وكأن ثمة ثأر دم أو عرض بينهم ، وبينما كنتُ أغوص في تفاصيل القصة ، رأيتُ صاحبي الماكث أمامي يرمقني بإشارات متتالية غامضة ، ولم ألبث أن فوجئت بصديقي المجاور لي يركلني برفق من تحت الطاولة. أدركتُ حينها أن ثمة أمرا يُوجب التوقف، فغيّرت مجرى الحديث على الفور إلى موضوع آخر، لينتهي لقاؤنا وأنا أجهل سر تلك الإشارات وركلة القدم ؟ وإن كنتُ قد أيقنتُ يقينًا أنني وطئت أرضًا شديدة الحساسية. 

في اليوم التالي، التقيت بالصديقين بمفردهما وسألتهما عما حدث ليلة البارحة ؟ فكانت المفاجأة بقولهما إن فلانًا الحاضر معنا يُصنف بأنه من “الدرجة الثانية” وحقيقة كان تصنيفهم برقم يرمز لذلك الوصف العنصري – لا أحب ذكره- يشير لهذا الانتماء الأقل نسبًا، وأن حديثي عن القبيلة يحرجه… عجباً لهما، ولذلك الشاب أيضاً الذي أخنع رأسه وأشغل نفسه بهاتفه ليرفع عن نفسه الحرج كما يظن ويعتقد! فأخبرتهما أني لم أقدح في الشخص ولا في نسبه، وإنما جلست أنقد ظاهرة تُخالف العقل وتصادم النقل والشرع.

سأكون اليوم أكثر جرأة، وسأحمل مطرقتي لأقتلع بها مسمارًا صدئًا تركه قطار الزمن ينخر في جسد الباب حتى أوشك أن يسقطه، ويتركنا بلا ستر أمام رياح الفرقة وأمطار التعصب. ففي مجتمعنا ما زلنا نسمع عبارات لا تليق بأمتنا، تتردد على ألسنة ضاقت عقول أصحابها، ولا أعني صغر السن، وإنما ضيق الفكر وسوء التربية وقلة الوعي ، والمؤسف أن هذه المظاهر لا تقتصر على عمر معين، بل نراها أحيانًا أكثر حضورًا بين الكبار، حين يتباهى بعضهم بجده أو قبيلته، ويزدري الآخرين بعبارات عنصرية بغيضة. إنها نعرات قبلية وعائلية ومناطقية ظننا أنها أصبحت من بقايا الماضي وتراث غير متوارث، فإذا بها تعود بثوب جديد، لا بين أبناء البادية فحسب، بل حتى بين من يتفاخرون بالتحضر والمدنية. لقد أصبح كل فريق يدّعي أن نسبه هو الأشرف وقبيلته هي الأفضل، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بأصله لا بعمله، في محاولة لإلغاء الآخرين وإنكار مكانتهم، في مخالفة صريحة لما جاء به دين الإسلام من مساواة وعدل. وما يظنه البعض درجات من الشرف والرفعة ليس في الحقيقة إلا دركات من التعصب والجهل، تهوي بأصحابها إلى مهاوي الفرقة في الدنيا، وتعرضهم للمساءلة في الآخرة. هذه النعرات ليست جديدة، لكن الجديد هو استمرارها رغم وضوح الموقف الشرعي منها. ويكفينا في ذلك ما وقع للصحابي الجليل أبي ذر رضي الله عنه، حين عيّر رجلًا بأمه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية .لقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم هذا السلوك بأخلاق الجاهلية، ولم يجعله من أخلاق الإسلام، مع أن قائله صحابي جليل ، ليؤكد أن ميزان الكرامة ليس النسب ولا اللون ولا القبيلة، وإنما التقوى والعمل الصالح. ولا يختلف اثنان على أن جذور هذا التعصب تعود إلى ضعف التربية الصحيحة، والابتعاد عن الهدي النبوي، وقلة ترسيخ قيم المساواة في النفوس. فالإنسان لم يختر نسبه ولا قبيلته ولا أرضه، وإنما اختار الله له ذلك بحكمته وقدره. ولو كانت الأنساب وحدها سببًا للفضل، لما كان بلال بن رباح رضي الله عنه في أعلى المنازل، ولما كان أبو جهل – من أشراف قريش نسبًا- في أسفل دركات النار. ومما يزيد هذه الظاهرة اشتعالًا أن بعض الشعراء يستثمرون العصبية القبلية لإثارة الحماسة، فيبالغون في تمجيد قبائلهم والانتقاص من غيرهم، فيردد الشباب تلك الأشعار وكأنها انتصارات حقيقية، بينما هي في واقع الأمر وقود للفرقة والكراهية. كما أن بعض المناسبات والمهرجانات تُسهم -بقصد أو بغير قصد- في تغذية هذا الشعور بدلًا من معالجته، فينشأ جيل متحمس تغيب عنه الحكمة، ويحتاج إلى توجيه الأسرة، والمدرسة، والإعلام، وكل مؤسسات المجتمع ، حتى تُغلق أبواب الفتنة قبل أن تتسع. إننا نعيش في زمن تتسابق فيه الأمم نحو العلم والتقدم، ولا يليق بنا أن نظل أسرى تعصبات تجاوزها العالم، أو أن ننشغل ببطولات نَسج الخيال كثيرًا من تفاصيلها، بينما المستقبل يتطلب منا وحدة الصف والعمل المشترك. نحن أبناء وطن واحد، يجمعنا الدين والمصير، ويجب أن تسود بيننا روح التلاحم والاحترام المتبادل. ومن يتجاوز على الآخرين بعنصريته أو ازدرائه ينبغي أن يُواجه بالحكمة والحزم، مهما كانت صلة قرابته ، لأن كرامة المسلم ودمه وماله وعرضه مصونة بحكم الله، ولا يجوز أن تُنتهك بسبب نسب أو قبيلة أو انتماء .

موضوعات ذات صلة

  • الرقابة الذاتية

    اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض…

  • شدة القرب حجاب

    نسمع أصواتهم وتأففهم وتذمرهم من حولنِا مستائين ضيق الحال وقسوته رغم تنعمهم ورغد عيشهم! وما كان ذلك إلا عندما امتدت أبصارهم لما عند غيرهم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهؤلاء ألفوا النعم واعتادوا عليها وانغمسوا في ملذاتها الكثيرة حتى ظنوا أنها لن تغادرهم، أو ربما لم يعودوا يرونها…

  • علاقات قيد التشكّل

    اصبحت بلا روح ولا نكهة كمن يحتسي كوبا من الشاي خالياً من السكر او من يرتشف قهوته بعد عمل شاق دون تناول شيئاً من الكعك .نمط مُمل اعتدنا عليه في الأونة الأخيرة اذهب متعة اجتماعاتنا ، ودق المسمار الأخير في نعش ترابُطنا الأسري ، غشي الصغير قبل الكبير ، والمرأة قبل الرجل ، نعم لازلنا…

  • قف على ناصية الحلم وقاتل

    من النماذج المعاصرة الملهمة ، المهندسة المعمارية التي كانت تحلم بدراسة الطب البشري فصاحبت حُلُمَها الذي رافقها منذ الطفولة، وهي التي تغَنَّت بقول المتنبي حين كان يُسأل: كيف حالك؟ فيقول أُصاحب حلمي ، لعلها اتخَذته أسوةَّ دُون أن تشعر .ولكنها لم تلبث كثيرآ حتى سُدَّت الأبواب في وجهها ؛ حين اندلعت الحرب في بلدها بعد…

  • خيم الاعْتِفار

    عرفت مكة تقليداً حزيناً يُسمى الاعْتِفار قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ، حيث كانت الأسرة إذا ضاقت بها سبل العيش خرجت بصمت إلى شعاب مكة ونصبت خيمةً تواري فيها انكسارها، تنتظر الموت جوعاً بعيداً عن أعين الناس، صوناً لكرامتها من ذُلّ السؤال.فلما نزل الفقر بأسرة كبيرة من بني مخزوم وهمّوا بالاعتفار، تناهى الخبر إلى…

  • لا طبنا ولا غدا الشر

    شاهدت مقطعًا متداولًا قبل فترة لأحد المنتسبين للطب البديل زورًا وبهتانًا! رأيته بأم عيني وهو يجهّز رافعة بكلاليب (ونش) تُستخدم عادةً لرفع الذبيحة لتُسلخ. بادئ ذي بدء، ظننت أنه سيقوم بذبح جمل أو خروف سمين لإكرام ضيفٍ حلّ به، ولم أُعر اهتمامًا للمنظر الذي اعتدنا رؤيته كثيرًا في مسالخ البلديات ، لكن ما لفت نظري…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *