سلاحٌ ذو حدّين

ندرك تمامًا أنَّ كُلَّ أشيائنا التي حولنا والتي ننعم بها في حياتنا ؛ قد تكون سلاحًا ذو حدَّين ،أوَّلُه ينتشل الأرواح لما تَسْتَّنيِرُ منهُ في الظلمات، وآخره بإمكانه أن يجعل النُور يتلاشى ، فقد تُستخدم بما يعود علينا بالنفع والفائدة ، وقد تَجلب الضرر عند سوء استخدامها ، إذاً فالإنسان هو من يتحكَّم بها ويوجهها كيفما شاء ، فهذا العنب الذي أباحه الله -سبحانه وتعالى -وذكره في القرآن الكريم، وهو من طعام أهل الجنة ومع ذلك يمكن للمفسدين في الأرض استخدامه وتصنيعه ليكون نبيذاً وخمراً ليهلك بها أناسًا آخرين ، وعلى ذلك فقِس بقية الأشياء من حولنا ، نحن من يسئ استخدامها.
كذلك هو الحال فيما يخصُّ الخوض في عالم التقنية ، والتي أصبحت عاملآ مؤثرآ في كيان الأسُر ، فإن أحسنَّت الأسرة استخدامها ستعود على أفرادها بالنفع والفائدة في شؤون حياتهم، أذكر موقفًا لازال عالقًّا في ذاكرتي ؛ أيقنت فيه أن التقنية من النعم الكثيرة التي منحنا الله إياها ،والواجب استخدامها
فيما يرضيه وينفعُنا ، وردني اتصالٌ عصر ذات يومٍ من رقم لم أعهده ، فإذا به يلقي التحية
يسألني : أأنت سلطان؟
قلت : نعم !
قال: فلتُحادِثَ هذا الطفل .
فإذا به ابن أخي يتصل من الهاتف الجوال لأحد رجال الأمن الذين يعملون في الحرم النبوي.
يقول: يا عم لقد اضعت أهلي ولا أعلم أين هم؟
فطلبت محادثة رجل الأمن وسالته عن موقعه ، فقال أمام البوابة رقم كذا وكذا ، فاتصلت بأخي واخبرته فطار فرحاً لأنه كاد ييأس من إيجاده بعد رحلة بحث طويلة ، ولكن الابن احتفظ برقمي معه مع أنه لايملك هاتفًا محمولاً حينها، بعدها أدركت أن الهاتف المحمول من النعم التي منحنا الله إياها إن أحسنَّا استخدامه.
وأن وسائل التقنية ماهي إلا منحةٌ إلهية للعقل البشري الذي توصَّل إليها، فمن خلالها يستطيع أفراد الأسرة التواصل مع الأخرين في بقاع الأرض البعيدة .
ومن خلالها تستطيع إنهاء الكثير من التعاملات المالية والتجارية ، ولم تعد الأسر تحتاج لزيارة الكثير من المؤسسات الحكومية والأهلية ، فبمجرد الضّغط على زر التأكيد بإمكانك إنهاء كافة المعاملات، وزوّدت تلك التقنية الأبناء بكافة العلوم والمعارف ، فأصبحت الأجهزه الصغيرة مكتبة تحمل آلافًا من الكتب والمجلدات ، فقد رفعت الوسائل التقنية مستوى الثقافة ، ووفرت لهم من الجهد والوقت والمال ، ووفرت التقنية فرص عمل للشباب والفتيات، وأصبحت توفّر لهم مدخولاً مادياً عالياً، وأصبح التعليم والتعلم أمراً ميسَّراً لكل أفراد الأسرة، من خلال الدراسة عن بعد عبر المواقع الالكترونية لمن أراد إكمال دراسته وتطوير مهاراته وقدراته بأعلى المستويات .
تطرَّقنا للجانب الذي أضفى على حياتِنا جانبًا يحوي النور ، كما هو الحال فإن لكل شيءٍ جانبًا مضَّيا وأخر مظلم ، فإن للتقنية جانبٌ مظلمٌ أيضًا ، فقد تؤثر التقنية على أفراد الأسرة ونسيجها الإجتماعي، بسبب تأثرهم بثقافات الأخرين التي يكتسبونها من خلال وسائل التقنية ، كما أنها تسبب في تفكك أفراد الأسرة عن بعضهم البعض ، فنجدهم تحت سقف بيت واحد إلا أنهم يعيشون في عزلة أمام هذه الاجهزة، كما أن الإدمان عليها قد يؤثر سلبًا على صحتهم الجسمية والذهنية.
وتؤثر هذه الأجهزة تأثيراً كبيراً على تحصيل الأبناء العلمي عند الإنشغال بها كثيراً ، ومن أشد مساوئ التقنية سهولة الوصول للمواقع المحرَّمةً المشبوهة ، التي قد تكون سببًا كبيراً في تغير أفكار الأبناء تجاه أسرهم وبلادهم ، وكذلك دينهم ،فهي فعلاً سلاحٌ ذو حدين ينبغي استخدامه واستعماله فيما يرضي الله ، ومايعود بالنفع على الجميع ، لذلك نرجوا من الأباء ألا يجعلوها بإهمالهم سلاحًا حاداً يفكك أسرهم ويبني فجوة بين أفرادها، فيصبحوا معًا ولكن لكلٍ عالمه لايعلم عن أفراد عائلته شيئًا، ويصبح كالغريب الذي يقطن معهم فقط.

موضوعات ذات صلة

  • شاركهم

    أحبّذُ رواية القصص لأبيّن ما أفكر به وما أرغب في إيصاله لكم أصبحت أتخيّلكم وأردد هل سَيَعينني قُرّاء حرفي أم لا ؟ وأرجو ألا تقف جُملةً لتحول بيني وبين فهمي وإدراك فكرتي وها أنا ذا أقصص عليكم تجربةً تروي قصة الفتاة التي عانقت والدها بحرفها ومشاعرها لتصف نجاحها لي وهي اليوم اخصائية اجتماعية وصانعة محتوى…

  • الوظيفة الأصعب في العالم

    أمضينا عُمرُاً نتعلّم ( الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراق ) ، فالأم هي الركيزة الأهم في البناء ، الذي تستند عليه وعلى تنشئته للخروج للعالم الخارجي ، الأم ( يا أجمل المصطلحات التي لا تستطيع أن تجابهها المعاجم ، ولا يمكن أن تأتي بكلمة مثلها وإن جُمعت كل الأبجديات في هذه…

  • تأدب في حضرة الجرح

    يوم آخر يتجول بين فكرة الغرق في هذه الدنيا، وبين الأحداث التي تحاول سحبنا إلى أكبر قدر ممكن من العمق، فإن طفوّنا فوق سطحه فقد يكشِفُنا للملأ، وبقاؤنا في القيعان يقطع أنفاسُنا الممتلئة بالهلع، وبين هذا وذاك تمر مجريات الحياة التي تهوِن عليك بتقدير العظيم العزيز.وهُنا في حقيقة هذا اليوم، أستمع لهاتفي الذي بدأ بالصراخ،…

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • جرف هار

    ليالٍ توسد سماؤها بدر التمام يتقاطر على أكُفنا هتان برد الشتاء، تشير الساعة إلى العاشرة والنصف ويُشير صوت طرق الباب باستحياء إلى زائر ينتظرنا خلفه، تفاجأت كثيرًا من يا تُرى قد يكون؟ لأنه من المستغرب جدًا أن يزورنا أحدهم في هذا الوقت من الليل ودون أي موعد، فقد أغنى الهاتف النقال عن المجيء وكفى الناس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *