خلك ذكي

في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟

الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ، وبين هذين الطرفين، يقف الإنسان أمام معادلة دقيقة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي أن يعرف متى يلين، ومتى يشتد.

المشكلة ليست في الطيبة ذاتها، بل في طيبةٍ بلا حدود ،كما أن الخلل لا يكمن في الحزم، بل في حزمٍ بلا حكمة ،فالحياة لا تُدار بردود فعل عاطفية منفردة، بل بفهمٍ عميق للمواقف، وقراءة واعية للناس، توازن بين القلب والعقل.

الإنسان المتزن لا يعيش بوجهين كما يُتهم أحيانًا، بل يمتلك مرونةً ذكية في التعامل هو لا ينافق، بل يُحسن التقدير ، يمنح الاحترام لمن يستحق، ويضع حدودًا واضحة لمن يتجاوز ، يبتسم حين تكون الابتسامة قوة، ويصمت حين يكون الصمت حكمة، ويتكلم حين يصبح السكوت ضعفًا ، وكم من حقوقٍ ضاعت لأن أصحابها اعتادوا الصمت تحت شعار الطيبة.

في المقابل، هناك من أرهقهم عطاؤهم المستمر لأنهم لم يتعلموا قول ” لا ” كما أن هناك من خسروا الجميع لأنهم ظنوا أن الشدة وحدها تصنع الهيبة فالأول استنزف نفسه حتى تلاشى، والثاني أحاط نفسه بجدارٍ من النفور حتى أصبح وحيدًا.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في الناس بقدر ما يكمن في غياب الحدود. فحين لا يعرف الإنسان متى يتوقف، يصبح عرضةً للاستغلال، وحين لا يعرف متى يلين، يصبح ثقيل الحضور صعب القبول. وفي الحالتين، يدفع الثمن من راحته النفسية وعلاقاته.

ومن منظورٍ أعمق، يقدم لنا الدين الإسلامي ميزانًا دقيقًا لهذا الاتزان ، حيث يجمع بين اللين والقوة، في قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك﴾ وفي قول النبي ﷺ: المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف . فالقوة هنا لا تعني القسوة، كما أن اللين لا يعني الضعف، بل كلاهما يُوظف في موضعه.

الخلاصة أن المطلوب ليس أن يتغير الإنسان، بل أن يتزن ، أن يكون طيبًا دون أن يُكسر، قويًا دون أن يَظلم، واضحًا دون أن يَجرح. وأن يدرك أن لكل مقام مقالًا، ولكل إنسانٍ أسلوبًا، وأن الثبات الحقيقي لا يكون في المواقف المتقلبة، بل في المبادئ الراسخة.

ففي عالم لا يرحم السذاجة ولا يحب القسوة، تبقى الحكمة هي الخيار الأذكى . 

موضوعات ذات صلة

  • النجاح يتسع للجميع

    يا رفيق دربي خالد… لو علمت كم في الطريق من تعب خفي ، وكم في كل قصة نجاح من دموع لم تُرَ، وسهر ليل حتى بزوغ الفجر، ومفارقة الأُنس والدَّعة ، لصفقت قبل أن تقارن، وباركت قبل أن تتحسّر ، فكلّ نجاح هو حكاية صبر، وكل إنجاز هو أثرُ معركة داخلية لا يسمع صداها أحد….

  • لست عبئاً على أحد

    خُرقِت السفينةُ ، سُفِك دم الغلام ، وبُني الجدار، يبدو النَّظرُ إلى الأمرِ من بعيد مخيفًا ومقلقًا ، إلا أنَّنا كُلَّما اقتربنا ونظرنا بعين العمق ، وجدنا أن العليم الخبير بابهُ فيه الرحمة وظاهرهُ كما رأت أعينكم ، فكذلك هي سائر أحداثِنا وما يقع حولَنا وعلينا ،قد تحدث في حياتنا أمورٌ لا نتمناها ونظنُّ أحياناً…

  • إذا سبّح القيطون فقد همّ بسرقةٍ

    كانت ملاكًا تمشي هوينًا على الأرض، كأنها حديقة غنّاء أزهرت بأجمل الورود، بل إنها كالمطر الذي هطل على الأرض فأطرب لصوته الحيوان والنبات قبل الإنسان، نورٌ انسدل في منزلنا عندما قدمت، جمعت كل الصفات الرائعة: الصدق، والأمانة، والتدين، والخُلق الحسن. هذا الوصف ليس (لانيا تايلور) بناءً على مقياس المعيار اليوناني الذهبي للجمال، بل لإحدى العاملات…

  • مع المحبرة إلى المقبرة 

    في زمنٍ يتغيّر فيه كل شيء من حولنا بسرعة تكاد تُربك البصر، يبرز مبدأ “مع المحبرة إلى المقبرة” كقيمةٍ جوهرية ينبغي أن نعيد اكتشافها فالعلم لم يعد مجرد مرحلة دراسية، ولا بوابة للحصول على وظيفة، بل أصبح ضرورة وجودية يترتب عليها بقاء الفرد فاعلًا ومؤثرًا في عالم لا ينتظر المتباطئين. لقد أصبح واضحًا أن الذين…

  • شدة القرب حجاب

    نسمع أصواتهم وتأففهم وتذمرهم من حولنِا مستائين ضيق الحال وقسوته رغم تنعمهم ورغد عيشهم! وما كان ذلك إلا عندما امتدت أبصارهم لما عند غيرهم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهؤلاء ألفوا النعم واعتادوا عليها وانغمسوا في ملذاتها الكثيرة حتى ظنوا أنها لن تغادرهم، أو ربما لم يعودوا يرونها…

  • المواقف فاضحة

    وجدت العلاقات للراحة والأنس والألفة ومد يد العون عند الحاجة ففي حياتنا أصدقاء كثر، ومع تزايد علاقاتنا ينبغي وضع رتب لها فليست كل الصداقات متينة وليس كل صديقٍ وفي مدى الدهر، فهناك أصدقاء عمل نرتبط بهم بوظيفة أو شراكة أو عمل معين فتكون علاقتنا بهم في حدود العمل فلا نرفع سقف التوقعات بهم في أمور…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *