الذين ماتوا بالتقسيط ؟

ليس كل الموتى تحت التراب، بعضهم يجلس معنا يضحك، يعمل، يتبضع، ويعود مساءً إلى بيته… لكنه مات منذ سنوات، وكأن موته على أقساط! لم يمت في حادث، ولم يُعلن أحد خبر وفاته، ولم تُنصب له خيمة عزاء، ولم يتلقَّ أهله فيه التعازي. كأن موته أكثر هدوءًا من ذلك بكثير، مات يومًا بعد يوم، وشيئًا بعد شيء، حتى لم ينتبه أحد إلى أن الرجل الذي ما زال يمشي بينهم لم يعد هو الرجل الذي كأنه ذات يوم! دفع القسط الأول حين تنازل عن حلم كان يؤمن به، وقال لنفسه: ليس هذا وقته أو لن أنجح في تحقيقه. ودفع الثاني حين بقي في مكان يطفئه كل صباح لأنه خاف أن يبدأ من جديد. ودفع الثالث حين ابتلع كلمات أهانته كي لا يخسر أحدًا. ثم توالت الأقساط ،حلم هنا، وكرامة هناك، وشغف يتساقط في الطريق، ورغبة مؤجلة، وصوت يخفت، حتى أصبح يؤدي الحياة بدل أن يعيشها ، وهكذا لا يموت بعض الناس مرة واحدة، إنهم يتناقصون. تأخذ الحياة منهم قطعة كلما رضوا بما لا يشبههم، وكلما أقنعوا أنفسهم أن التكاسل قدر، وأن الصمت حكمة في كل الأحوال، وأن التحمل بطولة حتى عندما يتحول إلى استنزاف. يعتادون الألم حتى يصبح جزءًا من أثاث أرواحهم، ثم ينسون أن الحياة كان يفترض أن تكون شيئًا آخر وأقسى ما في هذا النوع من الموت أنه لا يلفت انتباه أحد ، فالناس لا يرون إلا جسدًا يتحرك. يرونه في عمله، وفي المناسبات، وبين أصدقائه، يبتسم للصور، ويرد على الرسائل، ويسأل الآخرين عن أحوالهم. لا أحد يسمع ذلك الانهيار الهادئ في داخله، ولا أحد يعرف كم مرة عاد إلى بيته يحمل نفسه كما يحمل المرء حقيبة ثقيلة لا يستطيع التخلص منها.

هناك من مات يوم أصبح رضا الناس أهم من رضاه عن نفسه، ومن مات حين قضى عمره يمثل دورًا اختاره له الآخرون، ومن مات عندما أقنعوه أن أحلامه أكبر من قدراته، ومن مات حين ظل سنوات يطرق بابًا لا يُفتح، ويطلب تقديرًا لا يأتي، ويبرر لمن يؤذيه، ويمنح الفرصة تلو الأخرى حتى لم تبقَ له فرصة يمنحها لنفسه. والغريب أننا نصف كل ذلك أحيانًا بكلمات جميلة: صبر، تضحية، وفاء، تحمّل، عطاء، إحسان. كل هذه جميلة ولكن عندما تكون استنزاف وعلى حساب صحتنا وأرواحنا، أو عندما تعطى لمن لا يقدرها، فهنا تكون كالقشة التي قصمت ظهر البعير. مع أن الصبر لا يعني أن تسكن الألم إلى الأبد، والتضحية لا تَعني أن تذبح نفسك ليعيش الآخرون مرتاحين، والوفاء لا يعني البقاء في كل مكان يستهلك روحك. بعض الرحيل نجاة، وبعض الرفض حياة، وبعض كلمة “لا” ليست قسوة، بل جهاز إنعاش لإنسان أوشك أن يفقد نفسه. كم إنسانًا نعرفه كان ممتلئًا بالحياة ثم أصبح نسخة باهتة من نفسه؟ أن يستيقظ كل صباح ولا يسأل: ماذا أريد؟ بل: ماذا يريد الآخرون مني؟ وأن يقيس نجاحه بقدرته لا على الحياة بل بقدرته على الاحتمال، حتى تمر السنوات ويكتشف متأخرًا أنه كان حاضرًا في حياة الجميع… وغائبًا عن حياته. لكن الجميل في الإنسان أن بعض الموت ليس نهائيًا ، يمكن لقلب خمد سنوات أن يستيقظ، ولحلم دُفن أن ينفض عنه التراب، ولإنسان عاش طويلًا كما يريد الآخرون أن يقف ذات صباح ويقرر أن يعيش ما بقي كما يريد الله له من حياة كريمة ذات معنى. قد لا نستطيع استعادة السنوات التي ذهبت، لكننا نستطيع إنقاذ السنوات التي بقيت. لذلك، فتّش في داخلك جيدًا، كم قسطًا دفعت من نفسك حتى الآن؟ لا تنتظر حتى تسدد القسط الأخير.

فما دام فيك قلب يتمنى، وعقل يسأل، وروح تضيق بما لا يليق بها، وحلم صغير يطرق جدار صدرك كل ليلة، فأنت لم تمت بعد. ربما حان الوقت أن تتوقف عن دفع الأقساط…

موضوعات ذات صلة

  • جيل Z

    ملوك مواقع التواصل الاجتماعي وسادتها ؟ لم يولد جيل Z وفي يده هاتف… بل وُلد وفي يده مفتاح لعالمٍ كامل.  فتح عينيه على شاشة تسبق وجه أمّه ووجه أبيه أحيانًا، وعلى عالم لا يعرف الانتظار؛ فالمعلومة تأتيه قبل أن يطلبها، والصورة تسبقه إلى المكان، والصوت يعبر آلاف الأميال في لحظة، وكل ما يريده تقريبًا لا…

  • الرقابة الذاتية

    اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض…

  • إذا سبّح القيطون فقد همّ بسرقةٍ

    كانت ملاكًا تمشي هوينًا على الأرض، كأنها حديقة غنّاء أزهرت بأجمل الورود، بل إنها كالمطر الذي هطل على الأرض فأطرب لصوته الحيوان والنبات قبل الإنسان، نورٌ انسدل في منزلنا عندما قدمت، جمعت كل الصفات الرائعة: الصدق، والأمانة، والتدين، والخُلق الحسن. هذا الوصف ليس (لانيا تايلور) بناءً على مقياس المعيار اليوناني الذهبي للجمال، بل لإحدى العاملات…

  • كل تُسيّره أحلامه

    عندما تعود بي خيوط الذاكرة إلى مرحلة الطفولة، وماكان يعتريها من شقاوة الأطفال وبراءتهم، ومابها من صفاء، يمرُّ أمام عيني شريط الذكريات الذي لا يمكن لمثلي أن ينساه، فأحببت أن أصحبكم معي في سلسلة الذاكرة المملوءة بذكريات نعومة أظفاري، وأسرد عليكم ما أستطيع الإمساك بهِ مما تحمله ذاكرة الحنين، فالذكرى عندما تنتمي للماضي تتحول إلى…

  • امحها يا علي

    لا بد أن تُرغمك الظروف يوما ما على تقديم تنازلات ليس ضعفا منك بل سعيا للحفاظ على أشياء أُخرى لتبقى.امحها يا عليمن الحكمة والعقل أن تتجاوز أحيانا لأجل تحقيق مبادئ أُخرى تراها ستحقق لك الكثير أو تُزيل عنك بعض العقبات والمصاعب.امحها يا عليفي معترك الحياة ستجري بك السفينة إلى غير وجهتك ولكي تعيدها للمرفأ الذي…

  • قيود صامتة

    تناقضٌ عجيب وانعكاسٌ خطير ، لم تعد الابتسامة دليلًا على الرضا، ولا الصمت مؤشرًا على القبول، ولا الموافقة دليلًا على الاقتناع فالمشهد الاجتماعي اليوم أشبه بساحة حربٍ من الإشارات المغلوطة والابتسامات المزيفة ،فكثيرٌ من الناس يضحكون بينما يغلي الداخل غضبًا أو خيبة، وصمتُ آخرين ليس طواعيةً، بل خوفٌ وامتناعٌ عن المواجهة فالحقيقة صارخة المجتمع يعكس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *