جيل Z

ملوك مواقع التواصل الاجتماعي وسادتها ؟

لم يولد جيل Z وفي يده هاتف… بل وُلد وفي يده مفتاح لعالمٍ كامل. 

فتح عينيه على شاشة تسبق وجه أمّه ووجه أبيه أحيانًا، وعلى عالم لا يعرف الانتظار؛ فالمعلومة تأتيه قبل أن يطلبها، والصورة تسبقه إلى المكان، والصوت يعبر آلاف الأميال في لحظة، وكل ما يريده تقريبًا لا يحتاج منه سوى لمسة إصبع. لم ينتظر هذا الجيل أن يتعلم التقنية؛ لقد وُلد وهي من حوله. فتح عينيه على عالم تضيء فيه الشاشات أكثر مما تضيء الأوراق، وتتحرك فيه المعلومات بسرعة البرق، وأصبحت الأجهزة الذكية جزءًا من تفاصيل يومه، لا شيئًا طارئًا عليه. الجيل الذي أتى بعد الألفية، الرقمي الأصلي؛ رقميون بالفطرة، نشؤوا في زمن لم تعد فيه التقنية اختراعًا جديدًا، بل أصبحت لغةً للحياة. يعرفون كيف يتعاملون مع الأجهزة والتطبيقات والمنصات دون أن يحتاجوا إلى كثير من الشرح، ويتنقلون بين العوالم الرقمية بخفة، ويعرفون الطريق قبل أن يسألوا عنه. الخدمة الإلكترونية ليست رفاهية لهم، ولا التواصل الرقمي خيارًا من بين عدة خيارات؛ إنه الطريق الأقصر، والأسرع، والأكثر أُلفة. يريدون أن يصلوا إلى المعلومة الآن، وأن يحصلوا على الخدمة الآن، وأن يكون التواصل سريعًا ومباشرًا. ولذلك فإن الانتظار الطويل، والمقدمات الكثيرة، والرسائل الممتدة، قد تفقدهم اهتمامهم قبل أن تصل الفكرة إلى نهايتها. أما مواقع التواصل الاجتماعي، فهي ملعبهم المفضل؛ فيها يتحدثون، ويستمعون، ويتابعون، ويعلّقون، ويصنعون المحتوى، ويكوّنون اهتماماتهم، وربما يعيدون تشكيل جزء من نظرتهم إلى العالم من خلالها. ولهذا يمكن أن نطلق عليهم، مجازًا، جيل ملوك مواقع التواصل الاجتماعي؛ جيل لا يدخل العالم الرقمي زائرًا، بل يعيش فيه وكأنه بيته الأول.

وهنا تكمن إحدى أكبر التحديات في التعامل معهم: كيف تُلفت انتباه جيل اعتاد أن ينتقل من فكرة إلى أخرى بلمسة إصبع؟ كيف تجعل حديثك أكثر جاذبية من عشرات الرسائل التي تتدفق أمام عينيه في اللحظة نفسها؟ إنه جيل لا يمنح انتباهه بسهولة، ولا يحتفظ طويلًا بما لا يراه مهمًا أو مثيرًا لفضوله. السرعة بالنسبة إليه ليست مجرد تفضيل، بل أصبحت جزءًا من إيقاع حياته. ولذلك لم يعد يكفي أن تكون لديك رسالة جيدة، بل عليك أن تعرف كيف تقدمها، ومتى تقدمها، وبأي لغة تصل إليه.

فهذا الجيل لا يحتاج منا أن نطفئ شاشاته…

بل يحتاج أن نضيء بصيرته . 

موضوعات ذات صلة

  • جنة الدجّال

    إذا أتاك الأعور الدجّال ودعاك إلى دخول جنّته لأنّ فيها الأُنس والسعادة الأبدية والنعيم المقيم، وادّعى أنّ فيها المُلك والخلد، فإن راودتك نفسك وغرّتك عيناك، واجتمعت شهواتك، وحثّك شيطانك على دخولها، فلا تدخلها؛ فإنّ في ظاهرها جنّة، وفي داخلها نارٌ تَلَظّى لاتبقي ولا تذر لواحة للبشر .هي كذلك كما وصفها الرسول المصطفى صلى الله عليه…

  • هبَّت رياح التغيير

    تأتي الرياحُ لِتأخذَ في أعاصيرها حفنةً مما غطّى الماضي، فترفعُ الأستارَ رويداً رويداً حتى نرى ما عِيش في ذلك الوقت، ونرتوي من العظة والعبرة ، ونستشعرَ الحاضر وما نحن فيه من كثرة النعم والحمدلله على ماكان وما سيكون. قرأنا في كُتب المؤرخين قصصاً مؤلمةً حدثت في مجتمعاتٍ أو لأشخاص ، وأعتقدنا احيانا أنها من وحي…

  • تأدب في حضرة الجرح

    يوم آخر يتجول بين فكرة الغرق في هذه الدنيا، وبين الأحداث التي تحاول سحبنا إلى أكبر قدر ممكن من العمق، فإن طفوّنا فوق سطحه فقد يكشِفُنا للملأ، وبقاؤنا في القيعان يقطع أنفاسُنا الممتلئة بالهلع، وبين هذا وذاك تمر مجريات الحياة التي تهوِن عليك بتقدير العظيم العزيز.وهُنا في حقيقة هذا اليوم، أستمع لهاتفي الذي بدأ بالصراخ،…

  • لا تُصالح

    هي دعوة لعدم الصلح . أما سمعت الشاعر أمل دنقل ماذا يقول في قصيدته الشهيرة، صارخًا في الذاكرة:  لا تصالح ولو منحوك الذهب، أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما… هل ترى؟  إنها أشياء لا تُشترى. وأنا أقول لك إذا دعوك إلى الصلح فلا تصالح؟ بيّنوا لك فضل العفو فلا تعفو؟ هل تدعو يا…

  • لا طبنا ولا غدا الشر

    شاهدت مقطعًا متداولًا قبل فترة لأحد المنتسبين للطب البديل زورًا وبهتانًا! رأيته بأم عيني وهو يجهّز رافعة بكلاليب (ونش) تُستخدم عادةً لرفع الذبيحة لتُسلخ. بادئ ذي بدء، ظننت أنه سيقوم بذبح جمل أو خروف سمين لإكرام ضيفٍ حلّ به، ولم أُعر اهتمامًا للمنظر الذي اعتدنا رؤيته كثيرًا في مسالخ البلديات ، لكن ما لفت نظري…

  • فضفضة على شاطئ

    ليلةٌ تهب فيها نسائمها الباردة على ذلك الشاطئ الهادئ لا تسمع سوى صوت زجير الموج كلما ارتطمت في أرصفته، تملؤها المتعة واللذة في أحد المطاعم المطلة على كورنيش الخبر بصحبة صديقي بندر، نُناقِش في تلك اللحظة مُتعة تناولنا للروبيان المقرمش اللذيذ وسمك السالمون المشوي بصوص الليمون بعد أن خضنا تجربة تذوق جميلة غير مسبوقة، لم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *