من قتل أبي ؟

لم يكن أبي جثة تسجل في محضر شرطة، ولا قتيلًا يُقيد ضد مجهول في أروقة المحاكم، بل كان كالنخلة العتيقة التي تموت واقفة دون أن تسقط، تتآكل من الداخل في صمت مُغيب عن الجميع. وعندما حانت منيته وانطفأت عيناه ورحل، لم أحتج للبحث عن القاتل ولا عن سكين ملطخة بالدماء، ولا عن مسرح للجريمة ، بل بحثت عن الأسباب الخفية التي طعنته كل يوم ألف طعنة دون أن يريق قطرة دم واحدة، ودون أن يشعر بدنو أجله أحد. قتله الاهتمام والمشقة في سبيل توفير لقمة العيش لنا كي نكون مثل بقية أبناء مجتمعنا، وقتله الوقت الذي اقتطعه من عمره ليبني لنا سقفًا يقينا الحر والبرد. قتلته الأيام التي كان يستيقظ فيها قبل الفجر، يغادر فراشه الدافئ ويحمل على كاهله خيبة العالم، ليعود إلينا في المساء بابتسامة مستعارة، وجسد طاله التعب، وخبز بلله عرق الجبين. وقتله الصمت وعدم البوح بما يشعر به وما يضنيه من مشاق الحياة وتعسرها في كثير من الأوقات ، فكم مرة رأيته يجلس في عتمة المجلس يرتشف فنجان قهوته ويرنو إلى الحياة بنظرة مليئة بالأسرار، يحمل همومًا لو وزعت على الكثير لكفتهم، لكنه لايُحملنا مثقال ذرة منها، يقتل حزنه في داخله كي لا نبكي، فمات هو كي نحيا نحن . قتلته الأحلام المؤجلة ، إذ لم يعتن بنفسه كثيرًا لأنه كان يرى أن ذلك المال وتلك اللقمة نحن أحق بها منه كي لا يُشعرنا بأننا أقل من الآخرين. كان لديه شغف وكانت له أجنحة، ولكنه قص ريشها بيديه ليصنع لنا منها وسائد ننام عليها برغد. نسي نفسه وهو يبني نفوسنا ، كان بالأمس يافعًا طموحًا ترى في وجهه الحياة والمستقبل وعنفوان الشباب، وفي لحظة، وبعد كل هذه التضحيات، وقف أمام المرآة ليجد رجلًا غريبًا يعتليه الشيب وتظهر على خديه تجاعيد السنين وقد ذبلت في عينيه شعلة الشباب. اقترب أكثر ليضمن أن الذي انعكست صورته هو وليس شخصا آخر، وفي لحظة صمت مهيبة، سالت دموعه على وجنتيه لُتذيب ما تبقى من شبابه وحياته. وقتلته أنا بجهلي، حين كنت أظن أنه جدار لا يهتز وبطل خارق لا يعرف التعب ولا يحتاج إلى عناق، وعندما ظننت أن خروجه صباحًا لعمله وعودته في آخر النهار أمر معتاد لا مشقة فيه، وأن المال الذي ينفقه علينا يأخذه متى أراد دون جهد. قتلته حين شغلتني الحياة بمشاغلها الصغيرة فنسيت أن أسلب منه حزنه بكلمة دافئة . رحل أبي ولم أرَ قاتله، لكنني أراه اليوم في المرآة، وفي قسوة الحياة، وفي كل حادثة تسرق من الآباء أعمارهم ليهبوها لأبنائهم. رحم الله أبي، القتيل الحي الذي عاش يهب الحياة ومات وهو يبتسم لنا. هذه الحادثة وسرديتها  لم تحدث لي شخصيا لأنني فقدت أبي وأنا طفل لم أتجاوز السادسة من العمر، ولكنها بالتأكيد تحدث للكثير من الآباء مع أبناءهم  . فالمبادرة بتحمل المسؤولية أمر لابد منه ، وليأتِ اليوم الذي تقولون فيه : يا أبي كفى، حان الوقت لترتاح، خذ قسطًا من الراحة، فقد أديت الأمانة ، ونحن أهلاً لنقوم بالكثير من المهام بدلاً عنك . 

موضوعات ذات صلة

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • سلطان مابك ، هل أنت على مايرام ؟

    أنا سلطان بن عيد المرشدي أوصي بأنني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي من تركت من أهلي وسائر…

  • الوظيفة الأصعب في العالم

    أمضينا عُمرُاً نتعلّم ( الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراق ) ، فالأم هي الركيزة الأهم في البناء ، الذي تستند عليه وعلى تنشئته للخروج للعالم الخارجي ، الأم ( يا أجمل المصطلحات التي لا تستطيع أن تجابهها المعاجم ، ولا يمكن أن تأتي بكلمة مثلها وإن جُمعت كل الأبجديات في هذه…

  • لِحُكامِنا حُبّ لا يُنسى

    قد يكون النسيان أمر لا فرار منه يبتلع بداخله أغلب الذكريات التي تمر بنا، إلا ما كان منها منقوشًا على الذاكرة ومزاحمًا للمواقف بمشاعره التي تُذكرك في كل مرة بتفاصيلها وكأنما المرة الأولى، وهذا ما جعل الأربعة والأربعون عامًا أقرب إلى إحدى القريبات وهي تحدثني عن موقف حدث منذ سنين عجاف ذهبت في طيات الزمان…

  • قيود صامتة

    تناقضٌ عجيب وانعكاسٌ خطير ، لم تعد الابتسامة دليلًا على الرضا، ولا الصمت مؤشرًا على القبول، ولا الموافقة دليلًا على الاقتناع فالمشهد الاجتماعي اليوم أشبه بساحة حربٍ من الإشارات المغلوطة والابتسامات المزيفة ،فكثيرٌ من الناس يضحكون بينما يغلي الداخل غضبًا أو خيبة، وصمتُ آخرين ليس طواعيةً، بل خوفٌ وامتناعٌ عن المواجهة فالحقيقة صارخة المجتمع يعكس…

  • ضحكات تائهة

    هل شعرت يومًا أنك تتقيأ جزءًا منك من شدة ما تشعُر به ؟ كأنك ترغب في سحب كل أشلائك التي تقطُن بداخلك كي يمتلئ الفراغ، ويخف الحمل، لكنك لا تستطيع فعل أي شئ، فالمرء لا يسلم من أحداث حياته المؤلمة ،والمواقف التي تعتصره حتى يصفو، ولا يصفو إلا من ضحكته التائهة التي طال بحثه عنها،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *