إذا سبّح القيطون فقد همّ بسرقةٍ

كانت ملاكًا تمشي هوينًا على الأرض، كأنها حديقة غنّاء أزهرت بأجمل الورود، بل إنها كالمطر الذي هطل على الأرض فأطرب لصوته الحيوان والنبات قبل الإنسان، نورٌ انسدل في منزلنا عندما قدمت، جمعت كل الصفات الرائعة: الصدق، والأمانة، والتدين، والخُلق الحسن.

هذا الوصف ليس (لانيا تايلور) بناءً على مقياس المعيار اليوناني الذهبي للجمال، بل لإحدى العاملات التي كانت تعمل لديّ.

اضطررت يومًا لإحضار عاملة منزلية من إحدى الجنسيات للعمل، وما إن مضت الأيام وانطوت الليالي إلا وأجد فيها الكثير من الصفات الرائعة، التي أشعرتنا بالارتياح والاطمئنان. كيف لا؟ فدخول شخص غريب، مختلف الطباع والعادات والتقاليد، عاش في بيئة مغايرة وفي فقرٍ مُدْقِع، ليس بالأمر الهيّن.

استمرت علاقتنا بها كجزء من أفراد عائلتنا، وثقنا بها لدرجة كبيرة، أحسنّا التعامل معها، وهذا ديدننا مع كل من يدخل منزلنا للعمل فيه. فكل احتياجاتها من لباس، ومستحضرات، وأدوية، يتم توفيرها لها دون مقابل، محتسبين بذلك الأجر، وعاملين بوصية النبي ﷺ في حسن التعامل مع الخدم خاصةً والعمال عامة.

لم نلحظ عليها أي شيء طوال بقائها. مضى عامٌ كامل، وانتهت مدة عملها لدينا. اصطحبتها إلى مقر الشركة المسؤولة عنها، وأثناء الطريق، أسمع صوت تراطُم قوارير زجاجية بداخل السيارة! لم أُعر له اهتمامًا رغم لفتِه للانتباه.

وصلنا وجهتنا، وحملت العاملة أمتعتها وغادرت بعدما ودعتها. وما إن عدت إلى المنزل، وانفلق الصباح معلنًا يومًا من أعمارنا، يهطل علينا كالهَتان برحمةٍ من الله ورضوان، حتى بدأنا نشعر بفقد بعض أواني المطبخ الزجاجية والكثير من الأشياء الأخرى.

مباشرة، استذكرت تلك الأصوات التي سمعتها في الطريق أثناء إيصالها، وتذكرت أيضًا أننا في الليلة التي سبقت رحيلها ذهبنا لتلبية دعوة من قريب لتناول العشاء في منزله. حاولنا أن تذهب العاملة معنا، فاعتذرت وادّعت المرض، ولم نكن نعلم أنها تخطّط للسرقة.

تأكد لدينا أنها فعلاً هي من اعتدى على تلك الأواني الزجاجية الثمينة ومقتنيات أخرى. فعادت بي ذاكرتي لترديد أبيات شعرية مضرب للمثل، لمن يدّعي النُبل والخُلق، لأجل أن يُشعر الآخرين بالاطمئنان، ثم ينقضّ على فريسته بعدما يباغتها دون سابق إنذار، جاعلًا ضحيته يتخبّط في محيطه، تُسمع اصطكاك أسنانه من ألم الغدر، والخيانة، والخُبث.

فكل البدايات لا تشبه مصافحة أحداث الختام.

إذا سبّح القيطون فقد همّ بسرقةٍ

فلا تأمنِ القيطونَ حين يسبّحُ

بيت شعر قيل في السارق الماكر المُخادع. فكم من قيطونٍ يعيش بيننا، لبس لباس الورع والصلاح والخُلق الحسن والأمانة؟

فبدلًا من أن نحذر من السارق الذي قلّ وَرعُه، وبان عَوَره، وقذر لسانه، وجب علينا أن نراقب القياطين التي تُسبّح باللسان في النهار، وتُخطط للسرقة في جَنان الليل.

ولم تنتهِ قصتي مع القيطونة التي أيقظتني من سُباتي العميق، وثقتي العمياء، حتى وجدتُ قصيدةً لزميلي الدكتور دخيل الله الحارثي، تجاري البيت الشعري السابق، والتي تطرق فيها لهؤلاء القياطين بأبياته النيّرة. ومن جمالها لم أفكر حتى مجرد تفكير في عدم إدراجها في مقالي، بل مهّدت لها كل الطرق، لتكون زهرة الدِّيدَحان التي يفوح عبقها في صحراء صفحتي، لتكون الأجمل والأميز:

تزهّدَ في الفرائسِ وهو لُدّ

كأنَّ إحساسَهُ قدْ بَلَدْ

يُخبّئُ بالجهدِ سوءَ الطّباع

ويكسوَ وجهَهُ ثوبَ زُهْدْ

يظاهرُ بالودِّ وهو مخادع

ويَغدرُ كلّما أُعطيَ عَهدْ

تراهُ تقيّــاً وخــلاًّ وفيّــاً

وفي الخلَوَاتِ ذِئبٌ أَشَدّ

فلا تغترَّ إن سَكنَتْ خُطاهُ

فما في الصّدرِ إلا كَمَدْ

يجاهرُ بالصدقِ في كلِّ نادٍ

وفي القلبِ مكرٌ وطبعٌ فسَدْ

فكمْ مِنْ مُدّعٍ للتقى والوَرَعْ

إذا لاحَ خُبزٌ غدا مُجتهِدْ

فما يُخفي قناعُ الزهدِ ماكر

فتلك بضاعةُ سوقٍ كسَدْ

فتبّاً وبُعداً لكـلِّ مخـادع

وفي جيدِ قيطونَ حبلٌ مَسَدْ

موضوعات ذات صلة

  • امحها يا علي

    لا بد أن تُرغمك الظروف يوما ما على تقديم تنازلات ليس ضعفا منك بل سعيا للحفاظ على أشياء أُخرى لتبقى.امحها يا عليمن الحكمة والعقل أن تتجاوز أحيانا لأجل تحقيق مبادئ أُخرى تراها ستحقق لك الكثير أو تُزيل عنك بعض العقبات والمصاعب.امحها يا عليفي معترك الحياة ستجري بك السفينة إلى غير وجهتك ولكي تعيدها للمرفأ الذي…

  • اخطب لابنتك

    قـد يكـون العنـوان مدعـاة ً للجـدل ولافتـا للانتبـاه، فالمتوقـع اسـتهجانه مـن البعـض، لأن النـاس عـادة ً ترفـض ماهـو مغايـر ٌ لأعـراف المجتمـع، حتـى وإن كان لا يخـرج عـن دائـرة الديـن، وأقـرب مثـال ٍ مـا سـندلو بـه ِ فـي بِضـع سـطور ٍ معكـم ألا وهـو رفضهـم للمبـادرة فـي البحـث عمّـن يكـون أهـلا للـزواج مـن ابنتهـم.دعونـا نسـتذكر…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • هبَّت رياح التغيير

    تأتي الرياحُ لِتأخذَ في أعاصيرها حفنةً مما غطّى الماضي، فترفعُ الأستارَ رويداً رويداً حتى نرى ما عِيش في ذلك الوقت، ونرتوي من العظة والعبرة ، ونستشعرَ الحاضر وما نحن فيه من كثرة النعم والحمدلله على ماكان وما سيكون. قرأنا في كُتب المؤرخين قصصاً مؤلمةً حدثت في مجتمعاتٍ أو لأشخاص ، وأعتقدنا احيانا أنها من وحي…

  • سلطان مابك ، هل أنت على مايرام ؟

    أنا سلطان بن عيد المرشدي أوصي بأنني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأوصي من تركت من أهلي وسائر…

  • الرقابة الذاتية

    اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *