من ترك ملك

ذات مرة التفت جلال الدين الرومي إلى شمس الدين التبريزي، وفي صدره لظى يتوقد، فسأله عن كيفية إخماد لظى النفس وهدأة اضطرابها، فأجابه التبريزي أن ذلك لا يكون إلا بالاستغناء، فمن ترك ملك الدنيا وحاز حرية الروح.

لقد صاغ الباري لهذا الإنسان وجهاً جُبِل على الشموخ والارتفاع، لا على الانحناء والارتكاس، فمن أراد النَّفَس العزيز والعيش الكريم فليتدثر بالتعفف وليقنع بقسمة السماء، إذ أن لقمةً يابسة يغمسها المرء بعرق جبينه وكدّ يمينه لأشرف وأشهى من موائد حافلة تُقدّم على أطباق المِنَن وتُدفع أثمانها من كرامة الروح وديون المشاعر الخفية، فليس كل كفٍّ ممتدة بالعطاء كريمة، وليس كل آخذٍ بالهبات رابحاً ، وإذا تصفحت سِيَر المصطفى ﷺ وأصحابه الغرّ الميامين لوجدت أرواحهم تنفر من ذلّ المسألة وتهيم في رياض التعفف تنفيذاً للوصية النبوية الخالدة التي تحث على الزهد في الدنيا لنيل محبة الله، والزهد بما في أيدي الناس لنيل محبتهم وودهم.

وفي هجير هذه الحياة، لا يملك العبد أثمن من طُهر كرامته ولا أرفع من سياج عزته، فكم من يدٍ امتدت لغير الله فارتجفت تحت وطأة الامتنان، وكم من قلبٍ علق حباله بأيدي الخلائق فبات أسيراً في غيابات الانتظار يتجرع غصص الخيبة والخذلان. وما أبهى الإنسان حين يكتفي بما حَباه مولاه ويقنع بما ساقه إليه قدره، رافعاً حاجاته إلى باب الخالق وحده، فلا يريق ماء وجهه بسؤال، ولا يرهق روحه بتطلع مشفوق إلى ما في أيدي الآخرين، لعلمه بيقين أنك بقدر ما تنال من أرزاق الناس ينقص قدرك في عيونهم، وإذا تفضل عليك امرؤٌ بماله فقد طوّق عنقك بأغلالٍ من الصعب الفكاك منها.

إن الكرامة ليست رداءً خارجيّاً نرتديه في المحافل ونخلعه في الخلوات، بل هي الأنفاس الشريفة التي تسكن الصدور فإذا انقشعت ماتت حقيقة الإنسان، والحاجة تهين المرء عند من لا يعرفه وترقّق قدره عند من يعرفه. والتعفف ليس مظهراً من مظاهر الفقر أو العجز بل هو الغنى الأسمى، غنى النفس التي توقن أن الأرزاق مكتوبة في اللوح المحفوظ، وأن ما قُدّر لها سيأتيها طيعاً ولو تباعدت السبل، وما لم يُكتب لها فلن تناله ولو حيزت لها الأسباب. ومن أجل ذلك كان أصحاب الهمم العالية يسترون فاقتهم بجميل الصبر، ويجاهدون لواعج الحاجة بالرضا، ويستبدلون ذلّ السؤال بعزّ التوكل، مؤثرين مرارة الكفاح الشريف على حلو استجداء العواطف والأموال.

وليس المبتغى من هذا الاستغناء أن يتعالى الإنسان على بني جنسه كبراً وجفاءً، بل أن يحمي حماه ويصون حريته فلا يربط بهجته ووجوده بفضول عطايا الآخرين، فكلما تاهت النفس في ممتلكات الخلائق زادت فقراً وشتاتاً وإن ملكت الخزائن، وكلما نفضت كفيها من الدنا واستغنت بالله تربع صاحبها على عرش الملوك وإن كان لا يملك قُوت يومه، مصداقاً لقوله ﷺ إن عزّ المؤمن في استغنائه عن الناس.

وومضة الختام تنير الدرب بوضوح، لتؤكد أن تسعة أعشار الهيبة، والتقدير، والاحترام، تظل دائماً مطوية في سرّ الاستغناء.

موضوعات ذات صلة

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • علاقات قيد التشكّل

    اصبحت بلا روح ولا نكهة كمن يحتسي كوبا من الشاي خالياً من السكر او من يرتشف قهوته بعد عمل شاق دون تناول شيئاً من الكعك .نمط مُمل اعتدنا عليه في الأونة الأخيرة اذهب متعة اجتماعاتنا ، ودق المسمار الأخير في نعش ترابُطنا الأسري ، غشي الصغير قبل الكبير ، والمرأة قبل الرجل ، نعم لازلنا…

  • لا طبنا ولا غدا الشر

    شاهدت مقطعًا متداولًا قبل فترة لأحد المنتسبين للطب البديل زورًا وبهتانًا! رأيته بأم عيني وهو يجهّز رافعة بكلاليب (ونش) تُستخدم عادةً لرفع الذبيحة لتُسلخ. بادئ ذي بدء، ظننت أنه سيقوم بذبح جمل أو خروف سمين لإكرام ضيفٍ حلّ به، ولم أُعر اهتمامًا للمنظر الذي اعتدنا رؤيته كثيرًا في مسالخ البلديات ، لكن ما لفت نظري…

  • ترانيم العُبور في شوق اللقاء

    بعد هجعة من النوم ، ومع بداية نهاية الضجيج وسكون كل شيءٍ كأن الكون أطبق على أنفاسه ، من هنا بدأت مراجعة الحسابات بعيداً عن صخب الحياة وتداخلها. كانت فرصة للتأمل إذ خلوت بنفسي أفتش في عتمة السكون عن شيءٍ يطمئن القلب ، وبينما أنا غارق في صمتي، إذ بروحي ترتحل بعيداً عن حدود العقل…

  • تأدب في حضرة الجرح

    يوم آخر يتجول بين فكرة الغرق في هذه الدنيا، وبين الأحداث التي تحاول سحبنا إلى أكبر قدر ممكن من العمق، فإن طفوّنا فوق سطحه فقد يكشِفُنا للملأ، وبقاؤنا في القيعان يقطع أنفاسُنا الممتلئة بالهلع، وبين هذا وذاك تمر مجريات الحياة التي تهوِن عليك بتقدير العظيم العزيز.وهُنا في حقيقة هذا اليوم، أستمع لهاتفي الذي بدأ بالصراخ،…

  • سنشد عضدك بأخيك

    تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *