عزاءٌ أم مأدبةُ عشاء؟

هناك حين يغتال الطعامُ هيبة الموت حيث ينبغي أن يسود الصمت وتخشع القلوب لهيبة المقام، يتسلّل الطعام بهدوء ليغتال ما تبقّى من وقار اللحظة ، فينقلب العزاء الذي كان يومًا محراب دعاء ورحمة ومواساة إلى مائدة تضجّ بالأكل والشرب، وكأن الحزن قد أُزيح جانبا ليفسح المجال لطقوس لا تمتّ لجوهر الفقد بصلة.

لم تعد بعض مجالس العزاء كما ينبغي لها أن تكون ، لم تعد موضع سكينة ولا مقام وقار  بل تحوّلت بفعل عادات متضخّمة إلى ما يشبه مناسبات اجتماعية ، تُقدَّم فيها الأطعمة أكثر مما تُستحضر فيها معاني الرحيل ، أيّ عزاءٍ هذا الذي تُقرع فيه الصحون أعلى من خفقات القلوب؟ وأيّ مواساةٍ تُقاس بعدد الأطباق لا بصدق المشاعر؟

المشهد لم يعد عابرا ، بل أصبح التزاما اجتماعيا ثقيلا يُفرض على أهل الميت فرضا ، أولئك الذين يفترض أن يُخفَّف عنهم، يُدفعون إلى التكلّف، وإلى مجاراة أعراف مرهقة، وكأن الفاجعة لا تكفي، فيُضاف إليها عبء الاستعداد والإنفاق وملاحقة ارضاء الناس .

والمفارقة الأكثر إيلامًا أن البعض يلوذ بالدين لتبرير هذا السلوك، فيقتطع من النصوص ما يخدم العادة لا الحقيقة ، يستشهد بحديث ” اصنعوا لآل جعفر طعامًا ” بينما المعنى جليّ اي إعانة أهل المصاب، لا استنزافهم ، مواساةٌ تُخفّف، لا مباهاةٌ تُثقِل.

إن ما يحدث ليس تفصيلًا عابرًا، بل انحراف عن جوهر العزاء ، فالموت ليس مناسبة للعرض، ولا ساحة لإشباع البطون، ولا منصة للكرم المزيّف ، مجالس العزاء تحتاج إلى صمتٍ يليق بها، ودعاءٍ يوازي ثِقَلها، لا إلى ضجيج يطمس معناها.

لقد بلغ الأمر حدّ الإسراف، حدًّا يُساءل أخلاقيًا قبل أن يُناقش اجتماعيًا فحين يُستبدل الدعاء بالوليمة، وتُختزل المواساة في طبق يُقدَّم، فإننا لا نُكرم الميت، بل نُفرغ العزاء من روحه ويزيد الصورة قتامةً ما يُنقل من مظاهر لا تليق بالمقام، تُفقد اللحظة ما بقي لها من هيبة .

الحقيقة التي لا بد أن تُقال بوضوح ما يُقام اليوم في بعض مجالس العزاء ليس عزاءً… بل عادة مُتخمة تُمارَس على حساب الحزن.

أعيدوا للعزاء هيبته، وأوقفوا هذا النزيف الصامت ، فالميت لا ينتفع بما يُقدَّم للناس، بل بما يُرفع له من دعاء، وما يُهدى إليه من صدقة، وما يُحفظ له من ذكر ، وارفقوا بأهل الميت فإنهم أحوج إلى سكينةٍ تُداوي قلوبهم من ضجيج يُثقلها، وإلى عزاء صادق يربّت على أرواحهم، لا إلى مجاملات مرهقة.

إنهم بحاجة إلى لحظات من الهدوء، إلى انزواء هادئ في إحدى زوايا البيت، حيث ينسكب الحزن بصدق، وتنساب الدموع وفاء لفقد حبيب، وحيث يُستعاد الذكر الجميل، ويُرفع الدعاء الخالص. فالبكاء على الميت ليس مذمومًا شرعًا، بل هو من رحمة الله التي أودعها في قلب العبد، ومن أصدق ما يُعبّر به الإنسان عن فجيعته .

موضوعات ذات صلة

  • الأم البيولوجية

    بين سؤالٍ وجواب خجولان من بعضهما كشخصين للمرة الأولى يلتقيان، أنحن لا نستطيع أن نُضيف لبيوتنا الدفء ؟ أم أحضاننا الدافئة لا تُبنى فيها بيوت لأبنائنا ؟ لا إجابة تُشفي التساؤلات عند البعض أو تستطيع الوقوف أمامها.وإن ما يؤرق الكثير، دخول شخص غريب إلى الأسرة ؛ للقيام بجزءٍ من واجباتها إن لم يكن جلها، يبني…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • ترانيم العُبور في شوق اللقاء

    بعد هجعة من النوم ، ومع بداية نهاية الضجيج وسكون كل شيءٍ كأن الكون أطبق على أنفاسه ، من هنا بدأت مراجعة الحسابات بعيداً عن صخب الحياة وتداخلها. كانت فرصة للتأمل إذ خلوت بنفسي أفتش في عتمة السكون عن شيءٍ يطمئن القلب ، وبينما أنا غارق في صمتي، إذ بروحي ترتحل بعيداً عن حدود العقل…

  • المواقف فاضحة

    وجدت العلاقات للراحة والأنس والألفة ومد يد العون عند الحاجة ففي حياتنا أصدقاء كثر، ومع تزايد علاقاتنا ينبغي وضع رتب لها فليست كل الصداقات متينة وليس كل صديقٍ وفي مدى الدهر، فهناك أصدقاء عمل نرتبط بهم بوظيفة أو شراكة أو عمل معين فتكون علاقتنا بهم في حدود العمل فلا نرفع سقف التوقعات بهم في أمور…

  • سنشد عضدك بأخيك

    تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي…

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *