ثلاثة سنابات

في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس بجانبي شاب يشعرك من حديثه بأنه قد بلغ من العمر عتيا رغم وقوفه على أعتاب ربيع العمر المزهر وصغر سنه، وبدأت في الحديث معه والتعرف عليه.
ثم دار بيننا نقاش عن معوقات التخصص وطريقة تغيير شعبة إحدى المواد لصعوبة طريقة الدكتور في عرض مادته أو كما صح القول عدم مناسبتها لشخصياتنا في ظل انعدام التنويع لوصول الشرح إلى جميع أنماط الشخصيات، أشرت عليه بالتوجه سويًا إلى إدارة القسم كي نقوم بتقديم طلب التحويل من شعبة إلى أخرى، وبالفعل تم ذلك ومن بعدها أصبحت العلاقة أكثر عمقًا داخل الجامعة، ليأتي في أحد الأيام المحفوفة بطيب النفوس وأبلغني برغبته في زيارتي، ولم يتبع طيب النفس إلا الترحيب المُبتهج، وتم بعد ذلك تحديد موعد الزيارة، وامتدت الأرض رحابة بحضوره مستقبلاً إياه بوجه تظهر على إيماءاته الفرح، وبدأنا في إكرامه وتقديم الضيافة من المشروبات السعودية المتعارف عليها أساسًا عند حضور الضيف، وتعالت الضحكات التي تبعت أحاديثنا المؤنَسة مختلطةً بعبق رائحة دخان العود المتصاعد لنخبر ضيفنا به أن قدومه يعني الكثير لنا وتمتلئ نفوسنا بالتقدير له.
وكعادتنا لا يكتمل إكرامنا إلا بوليمة العشاء وفي هذا الأمر تختلف العادات من مكان إلى آخر كلٌ حسب ما تشرب من ثقافة أرضه، وضِع العشاء المُعد في المنزل وقد أدهشت فيه الأعين قبل تلذذ البطون فقد تفننوا عائلتي في إعدادها من أصناف مختلفة مما لذ وطاب وكأنه قد أُعد لقبيلة كاملة وليس لثلاثة أشخاص فقط، والقيام بأفضل ما يُمكن تقديرًا لصديقي لا سيما وقد كُنا أكثر قربًا وأشد متانة من أي شيء آخر واعتبارًا لعمق صداقتنا التي أصبحت في دائرة الأخوة ولا تكلف بيننا فأردت أن يشعر بقربه وأن الدار داره وحل أهلاً بين اخوانه وأهله، وما إن جلسنا على مائدة الطعام ومضى بعض الوقت شعرت بشيء غريب فلم يعُد صديقي يتحدث كثيرًا وكأنهُ أُخرِس لوهلة أو اصطدم ذهنه بما يُكدر صفوه، وبعد انتهاء تناول العشاء قام بمغادرة المكان واستأذن بشكل مفاجئ وعلى عجل، سألته ما الخطب؟ لكنه اعتذر بأن عليه الذهاب لإنجاز بعض الأعمال، ثم ودعته بمثل ما استقبلته عند قدومه، ونحن قومًا للزائرين سهلاً ومن يُغادر بيوتنا كرامةً وحبًا.
ارتحلت الأيام متوالية لكن الأحياء في أرضٍ واحدة يأتي بهم اللقاء يومًا ما حتمًا، وهذا ما حدث لقد قابلته بعدها مرارًا ولم أسأله عن تعجله في الخروج من بيتي عند زيارتي لا سيما اني لم فعل ذلك في ذات اللحظة، ثم جاء في أحد الأيام وبادر بدعوتي إلى زيارة منزله، ولم أرُد عليه إلا بالقبول على الرحب والسعة.
توجهت برفقة أحد الزملاء لإجابة الدعوة، وعند وصولنا كان في الاستقبال أُنسًا وحفاوةً معهودة على أهل الكرم، واستقبلنا صديقُنا مع إخوته وأبناء عمومته مُرحبين وسائلين عن الحال والأحوال، ثم قُطع حديثنا بحضور القهوة المؤكدة على كرمهم وما وصفتهم به سلفًا، وهي رمزًا لتتطبع القبائل بهذه الصفة السامية، قائمًا أخيه الأصغر بإصدار أصوات نتيجة لضرب فنجاله بدلة القهوة وهي ما يوضع فيه القهوة السعودية تحديدًا محدثا صوتًا طربًا يعني فيه لفت انتباهنا إلى وصول القهوة.
وعند حلول موعد العشاء بادر بتوجيهنا إلى المائدة، وهُنا رأيت ما قدمه لنا وقد كانت وليمة من الأرز واللحم، مائدة تكفي لتُشبع سكان الرياض قاطبة، قلت له وفي داخلي مذهولاً ومتعجبًا وأيضًا متسائلا فمن سيأكل هذا: ولما هذه التكلفة بيننا فنحن أصدقاء وأخوة قبل ذلك؟ نحن لسنا ضيوف وهذا بمثابة بيتي ولم تكن علاقتنا حديثة عهد، قال لي كلمة أوجعتني وكأنه ينتظر الفرصة كيّ يقولها: “يا سلطان يعيبُنا أن يأتينا الضيف ولا نقدم له تلك الضيافة” قاصِدًا في حديثه أن الكرم يجب أن يكون في الصورة التي قام بتجسيدها كوليمة عشاء وتقديم لحم الخروف لنا، متفاخِرًا بتجسيده هذا على منصات التواصل الاجتماعي والتصوير تحديدًا على منصة السناب شات المتعارف عليها في نقل اليوميات، حتى أشعرنا بأن كل ما قدمه ليس إلا كي يراه الناس ويُباهي به أمام مرأى الجميع وأكبر قدرٍ ممكن من العالم، غير مدرك أن الأمر أصبح ينزوي إلى منحنى آخر في نفوسنا حتى أثقلها نحو تلك الزيارة، وكأنه استبدل مقولة “الضيافة ثلاثة أيام” إلى الضيافة ثلاث سنابات.
أكملنا الزيارة بعد تناول العشاء وسمرنا مع صديقنا وعائلته دون أن يظهر علينا أي ضيق أو تعجب مما حدث، وما إن انتهت زيارتنا وهممنا بالخروج وهو مودعًا أخبرته أنه قد تكلف كثيراً وهذا الأمر لا يحدث بين الأصدقاء الذين قد قطعوا شوطًا في عمق علاقتهم ونفض غبار التكلف الذي يجعل كاهل العلاقة ذاتها مثقل بالواجبات التي لا تُغني ولا تُسمن، وبعد أن انتهيت من حديثي معه جاءتني الصفعة التي لم أتوقعها في رده وقال لي: “ليس عذرًا، ولقد أتيت إلى منزلك ولم تقدم لي ما يجب عليك فعله وما يمليه عليك ضميرك وأنا الآن أقدم لك ما توارثته من عادات وتقاليد” كل ذلك دار وصديقنا الآخر الذي حضر معي إلى دعوة العشاء حاضِرًا مستمعًا له، ثم خرجنا بعد أن قُمنا بتوديعه.
لكنني أيقنت حينها أن دعوته ما كانت إلا كيّ يتعمد صفعته عما في نفسه، ويُلقني درسًا في شيء لم يكن بحاجة للتلقين فيه، بل ما دفعه حاجةً قبعت في نفسه منذ ذلك اليوم لا سيما وأن عاداتنا كانت مختلفة عما هم عليه، وأراد إحراجي انتقامًا لتقصيري في ضيافته والذي ظن أنها تقليلاً في شأنه وتقديره، وأنا الذي بذلت له كل شيء كيّ أكرمه حُبًا وتقديرًا له وأشعره أن فردًا من أهل بيتي وليس ضيفًا زائرًا، ولم يكن ما قدمت حتى بدافع التباهي أو التفاخر.
قلت لصديقي أثناء عودتنا، هل بين الأصحاب تكلف؟ أنا لم أعتبره ضيفًا غريبًا كيّ أبادر معه بضيافة الغريب، ولم أُقصر في حقه لأنه صديقًا أعز عليّ من إكرام الذي لا أعرفه، وتساؤلات شتى متعجب بشدة من تصرفه وقد أخفاها في نفسه بالرغم من تلاقينا الدائم وحديثنا المستمر لم يُجهر لي بما يُخفي ولم يُعاتبني فيما رآه مني تقصيرًا، وكنت حينها لأطيب خاطره وأتفهم عتبه وقصده وكانت أهون عليّ مما فعله.

موضوعات ذات صلة

  • قيود صامتة

    تناقضٌ عجيب وانعكاسٌ خطير ، لم تعد الابتسامة دليلًا على الرضا، ولا الصمت مؤشرًا على القبول، ولا الموافقة دليلًا على الاقتناع فالمشهد الاجتماعي اليوم أشبه بساحة حربٍ من الإشارات المغلوطة والابتسامات المزيفة ،فكثيرٌ من الناس يضحكون بينما يغلي الداخل غضبًا أو خيبة، وصمتُ آخرين ليس طواعيةً، بل خوفٌ وامتناعٌ عن المواجهة فالحقيقة صارخة المجتمع يعكس…

  • فضفضة على شاطئ

    ليلةٌ تهب فيها نسائمها الباردة على ذلك الشاطئ الهادئ لا تسمع سوى صوت زجير الموج كلما ارتطمت في أرصفته، تملؤها المتعة واللذة في أحد المطاعم المطلة على كورنيش الخبر بصحبة صديقي بندر، نُناقِش في تلك اللحظة مُتعة تناولنا للروبيان المقرمش اللذيذ وسمك السالمون المشوي بصوص الليمون بعد أن خضنا تجربة تذوق جميلة غير مسبوقة، لم…

  • قف على ناصية الحلم وقاتل

    من النماذج المعاصرة الملهمة ، المهندسة المعمارية التي كانت تحلم بدراسة الطب البشري فصاحبت حُلُمَها الذي رافقها منذ الطفولة، وهي التي تغَنَّت بقول المتنبي حين كان يُسأل: كيف حالك؟ فيقول أُصاحب حلمي ، لعلها اتخَذته أسوةَّ دُون أن تشعر .ولكنها لم تلبث كثيرآ حتى سُدَّت الأبواب في وجهها ؛ حين اندلعت الحرب في بلدها بعد…

  • ضحكات تائهة

    هل شعرت يومًا أنك تتقيأ جزءًا منك من شدة ما تشعُر به ؟ كأنك ترغب في سحب كل أشلائك التي تقطُن بداخلك كي يمتلئ الفراغ، ويخف الحمل، لكنك لا تستطيع فعل أي شئ، فالمرء لا يسلم من أحداث حياته المؤلمة ،والمواقف التي تعتصره حتى يصفو، ولا يصفو إلا من ضحكته التائهة التي طال بحثه عنها،…

  • خيم الاعْتِفار

    عرفت مكة تقليداً حزيناً يُسمى الاعْتِفار قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ، حيث كانت الأسرة إذا ضاقت بها سبل العيش خرجت بصمت إلى شعاب مكة ونصبت خيمةً تواري فيها انكسارها، تنتظر الموت جوعاً بعيداً عن أعين الناس، صوناً لكرامتها من ذُلّ السؤال.فلما نزل الفقر بأسرة كبيرة من بني مخزوم وهمّوا بالاعتفار، تناهى الخبر إلى…

  • لِحُكامِنا حُبّ لا يُنسى

    قد يكون النسيان أمر لا فرار منه يبتلع بداخله أغلب الذكريات التي تمر بنا، إلا ما كان منها منقوشًا على الذاكرة ومزاحمًا للمواقف بمشاعره التي تُذكرك في كل مرة بتفاصيلها وكأنما المرة الأولى، وهذا ما جعل الأربعة والأربعون عامًا أقرب إلى إحدى القريبات وهي تحدثني عن موقف حدث منذ سنين عجاف ذهبت في طيات الزمان…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *