علاقات قيد التشكّل

اصبحت بلا روح ولا نكهة كمن يحتسي كوبا من الشاي خالياً من السكر او من يرتشف قهوته بعد عمل شاق دون تناول شيئاً من الكعك .
نمط مُمل اعتدنا عليه في الأونة الأخيرة اذهب متعة اجتماعاتنا ، ودق المسمار الأخير في نعش ترابُطنا الأسري ، غشي الصغير قبل الكبير ، والمرأة قبل الرجل ، نعم لازلنا نجتمع في منازلنا واحيانا نتكبد خسائر مالية لاستئجار الاستراحات والمنتجعات وفي بعض الاوقات نعاني مشاق السفر للقاء الأحبة ، يفد الجميع ويجتمعون ولكنه لقاء اجساد بلا ارواح ! فما أن تجتمع الاسرة والاقارب والاصدقاء مُصطحبين معهم اطفالهم والكل سعيد بمثل هذه اللقاءات الماتعة التي تزيد الترابط والاُلفة وصلة الرحم والدفء ، وما أن يمضي بعض الوقت في الترحيب والاستقبال وفي غفلة ودون شعور يتناول الاغلبية اجهزتهم الالكترونية ويبدأون في تصفحها ، فتغادر ارواحهم لعالمهم الخاص بهم الذي ادمنوه واعتادوه وفيه اناخوا مطاياهم وكأن على رؤوسهم الطير فلا يشعرون بمن حولهم .
ينظر قلة من الحاضرين وخاصة كبار السن إليهم يتمنون من ينصت إليهم ويحادثهم ولكن اغلب المتواجدين باتوا مُمسكين بهواتفهم حتى الاطفال انشغلوا باجهزتهم نعم هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يوقفها الجميع فما فايدة الحضور إذا ، وماذا استفاد الأبوين من الأبناء واحفادهم ؟
فعدم الانصات والاستماع للحاضرين والانشغال بالاجهزة يشعرهم بالاحتقار واللامبالاة ويوذي مشاعرهم مما يجعل العلاقة على المحك .
فكل شي في العلاقات بدأ يتأكل وينضب الاُلفة والحب ودفء المشاعر ومتعة الحديث وكل شي نعم كل شي .
تقول طبيبة علم النفس البريطانية جينافي براون : أنه كلما ازداد استخدام الهواتف خلال اللقاءات والتجمع مع الاصدقاء كلما قل الوقت الذي نقضيه معهم في الحديث والتواصل وهنا تكمن المشكلة .
ولو رجعنا لما قبل التقنية لوجدنا خير البرية عليه الصلاة والسلام قد سبق الجميع في توضيح اهمية الانصات والاستماع للأخرين واحترام حضورهم ومجلسهم فمما يروى عنه أنه رمى ذات يوم بخاتم كان يلبسه وقال : قد شغلني هذا عنكم انظر اليكم تارة وانظر إليه تارة آخرى .
يجب ضبط استخدام الهاتف المحمول في حياتنا بشكل إيجابي واحترام مشاعر الآخرين ومراعاة الذوق العام لأداب المجالس والاجتماعات خاصة الأسرية التي باتت تحتضر بسبب ادمان الناس استخدام اجهزتهم وعدم الاستمتاع بالجو الاسري وحديث الآخرين .
إن اللحظات التي نقضيها مع اسرتنا خاصة في حضور الوالدين لاتعوض ، فلنغلق هواتفنا ونستمتع بكل دقيقة تكفينا ضحكات الأم المبُهجة وابتسامة الأب ونظراته الحانية ، ومرح الاطفال وحديث الاخوة والاخوات المُمتع ، كلها عوامل تجعل اليوم ينقضي دون أن نشعر به فهل لنا بطريقة لايقاف عقارب الساعة لنبقى في عالم اشبه مايكون بالاحلام التي تجعلنا مُمطرين كالغيم ، يقول المفكر بيكنسفيلد الذي جسد مشاعرنا عندما نكون داخل اسرة حقيقية : قل ماشئت عن الشهرة وعن اقتحام الاخطار فإن كل امجاد العالم وكل حوادثه الخارقة للعادة لاتعادل ساعة واحدة من السعادة العائلية .

موضوعات ذات صلة

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • لِحُكامِنا حُبّ لا يُنسى

    قد يكون النسيان أمر لا فرار منه يبتلع بداخله أغلب الذكريات التي تمر بنا، إلا ما كان منها منقوشًا على الذاكرة ومزاحمًا للمواقف بمشاعره التي تُذكرك في كل مرة بتفاصيلها وكأنما المرة الأولى، وهذا ما جعل الأربعة والأربعون عامًا أقرب إلى إحدى القريبات وهي تحدثني عن موقف حدث منذ سنين عجاف ذهبت في طيات الزمان…

  • كل تُسيّره أحلامه

    عندما تعود بي خيوط الذاكرة إلى مرحلة الطفولة، وماكان يعتريها من شقاوة الأطفال وبراءتهم، ومابها من صفاء، يمرُّ أمام عيني شريط الذكريات الذي لا يمكن لمثلي أن ينساه، فأحببت أن أصحبكم معي في سلسلة الذاكرة المملوءة بذكريات نعومة أظفاري، وأسرد عليكم ما أستطيع الإمساك بهِ مما تحمله ذاكرة الحنين، فالذكرى عندما تنتمي للماضي تتحول إلى…

  • جنة الدجّال

    إذا أتاك الأعور الدجّال ودعاك إلى دخول جنّته لأنّ فيها الأُنس والسعادة الأبدية والنعيم المقيم، وادّعى أنّ فيها المُلك والخلد، فإن راودتك نفسك وغرّتك عيناك، واجتمعت شهواتك، وحثّك شيطانك على دخولها، فلا تدخلها؛ فإنّ في ظاهرها جنّة، وفي داخلها نارٌ تَلَظّى لاتبقي ولا تذر لواحة للبشر .هي كذلك كما وصفها الرسول المصطفى صلى الله عليه…

  • النجاحات تولد من رحم المعاناة

    لانستطيع اختيار عائلاتنا والبيئة التي ندرك الحياة ونحن بأوسطِها. إلا أنَّنا نستطيع التحكم بكل ما خيَّرنا الله فيه ووضعه بأيدينا ، إلا أنَّ هنالك من يرى أن وضع أسرته لايواكب حياته، ولا يُلبِي طموحاته أو يحقق أهدافه ، إلا أنَّه عندما يَعِي وضعه وما يمكنه فعله ويفكر خارج الصندوق بعيدآ عن المألوف ، فمن المؤكد…

  • الأم البيولوجية

    بين سؤالٍ وجواب خجولان من بعضهما كشخصين للمرة الأولى يلتقيان، أنحن لا نستطيع أن نُضيف لبيوتنا الدفء ؟ أم أحضاننا الدافئة لا تُبنى فيها بيوت لأبنائنا ؟ لا إجابة تُشفي التساؤلات عند البعض أو تستطيع الوقوف أمامها.وإن ما يؤرق الكثير، دخول شخص غريب إلى الأسرة ؛ للقيام بجزءٍ من واجباتها إن لم يكن جلها، يبني…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *