خيم الاعْتِفار
عرفت مكة تقليداً حزيناً يُسمى الاعْتِفار قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ، حيث كانت الأسرة إذا ضاقت بها سبل العيش خرجت بصمت إلى شعاب مكة ونصبت خيمةً تواري فيها انكسارها، تنتظر الموت جوعاً بعيداً عن أعين الناس، صوناً لكرامتها من ذُلّ السؤال.
فلما نزل الفقر بأسرة كبيرة من بني مخزوم وهمّوا بالاعتفار، تناهى الخبر إلى هاشم بن عبد مناف، سيد الجود وتأجر مكة الكريم فلم يرضَ بضياع الأنفس وهي تحت ظلال الحرم، وانتفض هاشم، لا ليمسح دمعةً فحسب، بل ليجتثّ جذور الفقر فأبطل سُنّة الاعتفار الجائرة، وأشرك الفقراء في تجارته، وألحقهم بقوافله السائرة نحو الشام واليمن، حتى فاضت أيديهم بالخير، واستحالت خيام اليأس إلى صروحٍ من الغنى.
وفي واقعنا اليوم، ما تزال خيام الاعتفار تُنصب خلف الأبواب الموصدة ، فكم من أسرةٍ عفيفةٍ حبسها الحياء، وانطوت على جراح الحاجة بعيداً عن صخب الحياة .
إنّ العبادة الحقة هي التي تلامس آلام البشر فبدلاً من حفر بئرٍ في فلواتٍ بعيدة، أو تشييد مئذنةٍ في حيٍّ تزدحم فيه المساجد، أطعموا جوعاً، واكسوا عُرياً، واجبروا كسر القلوب.
فإحياء الأنفس أسمى عند الله من رصف البناء، والصدقةُ في الأقربين نجدةٌ وبركة ، فكونوا كهاشمٍ في قومه، واهدِموا خيام الاعتفار بالمعونة قبل أن تُنصب.
هذه حادثة منذ قديم الزمن، فهل انتهت حقًا ؟ أم أتتنا في ثوبٍ جديدٍ يليق بالعصر؟ فكم نجد في زمننا هذا أناسٌ اعتفروا واعتزلوا الحياة بسبب ظروفهم القاسية، وقد اضمحلت أمنياتهم تحت خيم الاعتفار، فهل نتركهم للموت البطيء المحتم ، وهم الذين اختاروا العزلة والتعفف عما عند الناس؟ فأسوأ من الفقر ، الأبواب التي تُغلق في وجوه الفقراء.
قد يأكلون لفرط الجوع أنفسهم..لكّنهم من قدورِ الغير ما أكلوا،،!
أدركوهم قبل أن يهتك الفقر سترهم فينكشف حالهم ومآلهم أمام أعين الناس، واستروهم بستر العفاف والغنى دون منٍ أو أذى، ومزقوا خيم الاعتفار قبل نصبها، ولا تألفوا النعم حتى لا تفقدونها، ولعل أفضل طرق شكر النعم أن تمُد يد العون لمن حُرم منها .
إِذا جادتِ الدنيا عليكَ فجُدْ بهـا .. على الناسِ طرا إِنهـــــــا تَتَقَلب
فلا الجودُ يفنيها إِذا هي أقبلتْ .. ولا البخلُ يُبْقيها إِذا هي تَذْهَبُ