كل تُسيّره أحلامه

عندما تعود بي خيوط الذاكرة إلى مرحلة الطفولة، وماكان يعتريها من شقاوة الأطفال وبراءتهم، ومابها من صفاء، يمرُّ أمام عيني شريط الذكريات الذي لا يمكن لمثلي أن ينساه، فأحببت أن أصحبكم معي في سلسلة الذاكرة المملوءة بذكريات نعومة أظفاري، وأسرد عليكم ما أستطيع الإمساك بهِ مما تحمله ذاكرة الحنين، فالذكرى عندما تنتمي للماضي تتحول إلى سربٍ طائرٍ يرتفع عن الأرض ، لانرى بدقة التفصيل إلا ماقترب منا. ولأقف معكم هنا على أولى أعتاب سلسلة ذاكرتي ،كنا نعيش في ذلك الحي الصغير كعائلةٍ ممتدة ،وبعضًا من الأسر التي لا تربطنا بها قربى، إلا أنهم كانوا الأقرب من كل قرابةٍ وصلة؛ فبيوتنا متقاربة ،وقلوبنا واحدة ،نعي وندرك جيداً وصية النبي عليه الصلاة والسلام بالجار، فصَغُرت المنازل ،واتسعت الصدور .
يسكن في المنزل أكثر من أسرة، كان نمط حياة أهل الحي متقارب وكأنهم أرواحٌ وُضِعت في جسدٍ واحد ،كان الود ينام في كل زاوية، وبين الأزقة والبيوت،
فالكبير أبٌ للجميع ،والصغير يرى كل كبيرٍ كأبٍ له، وكل نساء الحي أمهاتٌ لهم ، وبناتهم أخواتُهم ،تبدأ حياة مجتمعنا الصغير منذ صلاة الفجر ،وكنا نؤديها صغاراً وكبارً في ذلك المسجد القديم ، فالذي يعرفه الجميع أننا منذ السابعة من العمر نصلي الفجر مع الجماعة، وهذا حال كل أبناء الحي ،لم نتعلم من دروس الحياة إلا صفاء النية ، وأعظم الدروس عفة الإنسان وكرامته.
لاتزالُ في الذاكرة مقاطع مرئيّة وكأنّي أشاهدها الآن ،ففي صلاة الفجر لا ترى إلا رؤوس الأطفال قد توسّدت الأرض ،وحلّقت بعيداً، فقد غلب النعاس براءة طفولتهم فناموا ، وما أكثر الأجساد التي سجدت لربها ولم تستطع النهوض، لبراءتها وضعف قوتها ، ما أجمل اجتماع الأسرة على سفرة الإفطار التي يكاد لايغيب أحدٌ عنها ،ثم ينطلق الجميع ؛ كل تسيّره أحلامه ،فهذا إلى مدرسته والآخر إلى عمله ، وما أن نعود إلى المنزل حتى تنبعث رائحة الطعام الشهي الذي حضَّرته أمي حُبًا ليُشبع قلوبنا قبل أن يسدَّ رمق جوعنا بعد يومٍ شاقٍ من العمل.
يجتمع كبار الحي في أحد المنازل لتناول القهوة العربية، ذات الرائحة النفاذة، والبن المحمص في المنزل حتى صار كعُقدٍ من الأرجوان ، فنجالسهم ، ونسمع لحديثهم دون أن ننبسَ ببنتِ شفة، عرفنا قدرهم فاحترمناهم وقبّلنا رؤوسهم كلما مررنا بهم .
وما أن يحلَّ المساء حتى نجتمع في إحدى زوايا الحي، ونتبادل الحديث ،ثم ننطلق لإحدى المزارع القريبة، ونستمتع بجوها العليل، ونباتاتها ذات الألوان المختلفة، وكأنها جنةٌ وُضِعت في الأرض ، وعند تبعثر ضوء الشمس راسماً ألوانًا لطالما عشقها أهل الفن وكل من وجدوا في التأمل فرصة للابتعاد عن صخب الحياة وهمومها ،حتى تغرب شمس اليوم فيسدل الليل ستاره ، وينتهي أجمل تأمل لسرب الذكريات في ماضي الحياة.

موضوعات ذات صلة

  • لِحُكامِنا حُبّ لا يُنسى

    قد يكون النسيان أمر لا فرار منه يبتلع بداخله أغلب الذكريات التي تمر بنا، إلا ما كان منها منقوشًا على الذاكرة ومزاحمًا للمواقف بمشاعره التي تُذكرك في كل مرة بتفاصيلها وكأنما المرة الأولى، وهذا ما جعل الأربعة والأربعون عامًا أقرب إلى إحدى القريبات وهي تحدثني عن موقف حدث منذ سنين عجاف ذهبت في طيات الزمان…

  • سلاحٌ ذو حدّين

    ندرك تمامًا أنَّ كُلَّ أشيائنا التي حولنا والتي ننعم بها في حياتنا ؛ قد تكون سلاحًا ذو حدَّين ،أوَّلُه ينتشل الأرواح لما تَسْتَّنيِرُ منهُ في الظلمات، وآخره بإمكانه أن يجعل النُور يتلاشى ، فقد تُستخدم بما يعود علينا بالنفع والفائدة ، وقد تَجلب الضرر عند سوء استخدامها ، إذاً فالإنسان هو من يتحكَّم بها ويوجهها…

  • الرقابة الذاتية

    اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض…

  • الذين ماتوا بالتقسيط ؟

    ليس كل الموتى تحت التراب، بعضهم يجلس معنا يضحك، يعمل، يتبضع، ويعود مساءً إلى بيته… لكنه مات منذ سنوات، وكأن موته على أقساط! لم يمت في حادث، ولم يُعلن أحد خبر وفاته، ولم تُنصب له خيمة عزاء، ولم يتلقَّ أهله فيه التعازي. كأن موته أكثر هدوءًا من ذلك بكثير، مات يومًا بعد يوم، وشيئًا بعد…

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • مخرج طوارئ

    ما وُضِعت مخارج الطوارئ إلا للنجاة من شرٍّ قد اقترب. فلا تنتظر أن يحترق المكان بالكامل ثم تبحث عن الباب؟ في زحام الحياة، وتصاعد ضغوطاتها اليومية، نمضي أحيانًا مثقلين بما لا نبوح به، نحمل فوق أكتافنا تفاصيل لا يراها أحد، ونخوض معارك صامتة لا يسمع ضجيجها سوانا. يجد الإنسان نفسه أحيانًا محاصرًا في أزقة ضيقة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *