قيود صامتة

تناقضٌ عجيب وانعكاسٌ خطير ، لم تعد الابتسامة دليلًا على الرضا، ولا الصمت مؤشرًا على القبول، ولا الموافقة دليلًا على الاقتناع فالمشهد الاجتماعي اليوم أشبه بساحة حربٍ من الإشارات المغلوطة والابتسامات المزيفة ،فكثيرٌ من الناس يضحكون بينما يغلي الداخل غضبًا أو خيبة، وصمتُ آخرين ليس طواعيةً، بل خوفٌ وامتناعٌ عن المواجهة فالحقيقة صارخة المجتمع يعكس صورًا مزيفة أكثر مما يعكس واقعنا المؤلم.

فالابتسامة ليست سوى قناعٍ يخفي الضغوط والتردد والاعتراض، بينما الصمت، أحيانًا صاعقةٌ موقوتة تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار فالعلاقات الاجتماعية تُدار على قاعدة المجاملة القاتلة، حيث يُفسَّر الهدوء على أنه رضا، بينما هو في الواقع قنبلةٌ مؤجلة قابلة للانفجار في أي لحظة.

هذه اللعبة ليست تفاصيل حياتية عابرة، إنها متغلغلة في كل زاوية من المجتمع في العمل، في البيت، وفي المجالس العامة فالرسائل تُساء قراءتها، والناس يُختزلون في انطباعات سطحية بعيدة عن الحقيقة، فتتسع الفجوة بين ما يُرى وما هو واقع، وتصبح معرفة موقف الآخرين، أو حتى فهم نفسك، مهمةً شبه مستحيلة.

فالمجتمع يواصل لعبته المميتة على حسابنا جميعًا إذًا ماذا نفعل؟
لا بد من إظهار مشاعرنا ومواقفنا الحقيقية كما هي، دون تزييف أو تحريف أو خوف أو خجل ، ما لم نقتنع به نرفضه، وما بداخلنا نجعله يطفو على السطح ليعبّر عن مشاعرنا ، فالمجاملة شيء، والاختباء خلف الستار شيءٌ آخر ، هناك أشياء لا يُمانَع فيها من المجاملة، فهي برستيج أصبح من الضرورة، ولكن ما لا يُحتمل ينبغي رده تارةً، وأحيانًا إظهاره.
كثيرٌ من الفرص ضاعت، والمشاعر أُخفيت، والأقوال أُلجمت، والحقيقة غُيّبت، وكل ذلك كي نجامل، أو نسلم من الآخرين وكلامهم ونقدهم، أو لعدم قدرتنا على المواجهة، وأحيانًا كي لا نخسرهم!

فأنا لا أدعو لمواجهة المجتمع بحدة وغلظة، ولا لإبداء كل شيء حتى لو قاتلت الجميع دونه، ولكن أدعو لإظهار المشاعر الحقيقية الصادقة، ومواجهة الآخرين بأسلوب لطيف جميل، أكون صادقًا فيه أولًا مع نفسي ومع الآخرين ، مُبدِيًا كل مشاعري دون خوف أو وجل، ودون أن أخسر الجميع.

يقول شارلي شابلن:
لا تُبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق، ولا تُبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة.

موضوعات ذات صلة

  • لا طبنا ولا غدا الشر

    شاهدت مقطعًا متداولًا قبل فترة لأحد المنتسبين للطب البديل زورًا وبهتانًا! رأيته بأم عيني وهو يجهّز رافعة بكلاليب (ونش) تُستخدم عادةً لرفع الذبيحة لتُسلخ. بادئ ذي بدء، ظننت أنه سيقوم بذبح جمل أو خروف سمين لإكرام ضيفٍ حلّ به، ولم أُعر اهتمامًا للمنظر الذي اعتدنا رؤيته كثيرًا في مسالخ البلديات ، لكن ما لفت نظري…

  • سنشد عضدك بأخيك

    تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي…

  • امحها يا علي

    لا بد أن تُرغمك الظروف يوما ما على تقديم تنازلات ليس ضعفا منك بل سعيا للحفاظ على أشياء أُخرى لتبقى.امحها يا عليمن الحكمة والعقل أن تتجاوز أحيانا لأجل تحقيق مبادئ أُخرى تراها ستحقق لك الكثير أو تُزيل عنك بعض العقبات والمصاعب.امحها يا عليفي معترك الحياة ستجري بك السفينة إلى غير وجهتك ولكي تعيدها للمرفأ الذي…

  • لست عبئاً على أحد

    خُرقِت السفينةُ ، سُفِك دم الغلام ، وبُني الجدار، يبدو النَّظرُ إلى الأمرِ من بعيد مخيفًا ومقلقًا ، إلا أنَّنا كُلَّما اقتربنا ونظرنا بعين العمق ، وجدنا أن العليم الخبير بابهُ فيه الرحمة وظاهرهُ كما رأت أعينكم ، فكذلك هي سائر أحداثِنا وما يقع حولَنا وعلينا ،قد تحدث في حياتنا أمورٌ لا نتمناها ونظنُّ أحياناً…

  • لِحُكامِنا حُبّ لا يُنسى

    قد يكون النسيان أمر لا فرار منه يبتلع بداخله أغلب الذكريات التي تمر بنا، إلا ما كان منها منقوشًا على الذاكرة ومزاحمًا للمواقف بمشاعره التي تُذكرك في كل مرة بتفاصيلها وكأنما المرة الأولى، وهذا ما جعل الأربعة والأربعون عامًا أقرب إلى إحدى القريبات وهي تحدثني عن موقف حدث منذ سنين عجاف ذهبت في طيات الزمان…

  • النجاحات تولد من رحم المعاناة

    لانستطيع اختيار عائلاتنا والبيئة التي ندرك الحياة ونحن بأوسطِها. إلا أنَّنا نستطيع التحكم بكل ما خيَّرنا الله فيه ووضعه بأيدينا ، إلا أنَّ هنالك من يرى أن وضع أسرته لايواكب حياته، ولا يُلبِي طموحاته أو يحقق أهدافه ، إلا أنَّه عندما يَعِي وضعه وما يمكنه فعله ويفكر خارج الصندوق بعيدآ عن المألوف ، فمن المؤكد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *