سنشد عضدك بأخيك

تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،
ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .
لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي المُجدبة، ويحتضن أغصاني وفروعي حتى استشفت منه القوة التي تجعل منها الروح تُذهَل .
إنَّ ذلك النُّور الذي جعلني أثّبِت أقدامي على هذه الأرض، هو الرسالة التي جعلها اللّٰه في يديّنا إلا أننا لانرى مابيدينا حتى يفلُت من قبضِتنا أحدها.
فإن أمعنَّا النظر وتوالت النِعم غيومٌ على رؤوسِنا غيثُها لايُطمَر ،فكُلِّ الغيوم هي غيوم إلا غيمةً واحِدة ،باتت في عيني سماء هذه الغيوم في عالم عيناي،وعندما قلّ الكلام وأندثر خجلاً من ألا يفي الحق حقه ، ولاشيء يستحق ماسبق سوى عائلتي ، الأمان الذي ألجأ إليه بعد اللّٰه والغيم الهاطِل كلما أجدبت روحي.
فلا شك َّ أن في حياتنا أشياء غالية الأثمان وقدْرها يملأ الجوف حتى يفيض،
ولا نشعر بها إلا عندما تذكَِّرُنا الحاجة إليهم إذا تناسينا من شدة قربهم منَّا أو يُداعِبُ الفقد طرقانتا ويُعاكِسًُها .
لازلت أذكر هطولهم عليّ وأعينُهم التي ملأها الخوف ،وبين تلوياته نسيجٌ من الحب وِثاقهُ غليظ، لقد مررت بأيامٍ تحفُني الرحمة-وكل ما يأتيني من الله خير-،فقد أُصِبت بوعكة صحَّية شديدة ، أوشكت حينها على الهلاك لولا رحمة ربي ولطفه بي، كان التعب يزمجِر بأركان جسدي الهزيل حتى جعلني ساكِناً لاتُحرِكهُ الأعاصير ،أحتضن سرير غرفتي كل ماطواني الألم ،وأشكوهُ لوسادتي الصامتة التي لا تستطيع مواساتي على أيّ شكلٍ كان.
لقد كانت غرفتي في الدور الثاني من المنزل ،وأمي
( ويا أجمل المصطلحات التي لاتستطيع أن تُجابهها المعاجم ،ولايمكن أن تأتي بكلمة مثلها وإن جُمِعت كل الأبجديات في هذه الأرض الواسعة) فقد كانت تتصل بي كل لحظة لتطمئن على صِحَّتي، وهي معي تحت ذات السقف إلا أن العمر قد باغت قدرة أقدامِها أن تقِف على رأسي آنذاك ،وتصعد ذلك السُلَّم الذي لايسعهُ أن يطوي نفسه خجلاً من فؤادها الذي حملها إليّ ، لأتفاجأ بها على رأسي تسألني عن حالي ، وتمسح بطيب يديها المُداوية بعد لطف الله علَّتي ،تَعَجَّبت كيف صعدت أمي !
عرفت أن الذي حملها قلبها وعاطفتها ولم تكُن أقدامها ،اطمأنَّت علي وغادرت ،وما أن أسدل الليل أستاره حتى أحكم الألم قبضته عليّ أكثر ولم أستطع أن أمُدَّ ذراعيّ لأروي ظمئي من شدة ما ألم َّبي، إذ بأخي يدخل عليّ ويحملني كما يحمِلُ الأب ابنه بكل مشاعر الخوف الممزوجة بحنانه وترقبه، ويسرع بي إلى المستشفى وعندما أُدخٍلت الطوارئ كنت أغيب عن الوعي تارةً واصحو أخرى،إلا أنهُ بجانبي يُلازمُني ويذكرني بالله ويسليني ،مَرِضَ معي وتألم لحالي فقد كُنت أسمع أنينه وزفراته وأشعر بهِ معي. مكثت أيامًا سمائي منطفئة وهم كانوا نورها بعد الله ،والأرضُ جفَّت حتى جاؤوني بسقياها ووهبوني قبَسًا من أرواحهم ،وحِفنةً من دعواتهم ،حتى أدركت أن المرء لاشي بِلا أسرته وأنَّ الأسرة حياة نحيا بعد الله من خلال رئتها.

موضوعات ذات صلة

  • كل تُسيّره أحلامه

    عندما تعود بي خيوط الذاكرة إلى مرحلة الطفولة، وماكان يعتريها من شقاوة الأطفال وبراءتهم، ومابها من صفاء، يمرُّ أمام عيني شريط الذكريات الذي لا يمكن لمثلي أن ينساه، فأحببت أن أصحبكم معي في سلسلة الذاكرة المملوءة بذكريات نعومة أظفاري، وأسرد عليكم ما أستطيع الإمساك بهِ مما تحمله ذاكرة الحنين، فالذكرى عندما تنتمي للماضي تتحول إلى…

  • سلاحٌ ذو حدّين

    ندرك تمامًا أنَّ كُلَّ أشيائنا التي حولنا والتي ننعم بها في حياتنا ؛ قد تكون سلاحًا ذو حدَّين ،أوَّلُه ينتشل الأرواح لما تَسْتَّنيِرُ منهُ في الظلمات، وآخره بإمكانه أن يجعل النُور يتلاشى ، فقد تُستخدم بما يعود علينا بالنفع والفائدة ، وقد تَجلب الضرر عند سوء استخدامها ، إذاً فالإنسان هو من يتحكَّم بها ويوجهها…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • قف على ناصية الحلم وقاتل

    من النماذج المعاصرة الملهمة ، المهندسة المعمارية التي كانت تحلم بدراسة الطب البشري فصاحبت حُلُمَها الذي رافقها منذ الطفولة، وهي التي تغَنَّت بقول المتنبي حين كان يُسأل: كيف حالك؟ فيقول أُصاحب حلمي ، لعلها اتخَذته أسوةَّ دُون أن تشعر .ولكنها لم تلبث كثيرآ حتى سُدَّت الأبواب في وجهها ؛ حين اندلعت الحرب في بلدها بعد…

  • مخرج طوارئ

    ما وُضِعت مخارج الطوارئ إلا للنجاة من شرٍّ قد اقترب. فلا تنتظر أن يحترق المكان بالكامل ثم تبحث عن الباب؟ في زحام الحياة، وتصاعد ضغوطاتها اليومية، نمضي أحيانًا مثقلين بما لا نبوح به، نحمل فوق أكتافنا تفاصيل لا يراها أحد، ونخوض معارك صامتة لا يسمع ضجيجها سوانا. يجد الإنسان نفسه أحيانًا محاصرًا في أزقة ضيقة…

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *