الهوية الوطنية
حقٌّ لأجيالنا وللأجيال القادمة أن تعرف ما بذله قادة هذه البلاد ورجالها المخلصون من تضحيات وأنفُس ودماء ومشاقّ في سبيل توحيدها والمحافظة على مكتسباتها وكينونتها، وإرساء الأمن في أقطارها، فقد أدركوا أن من لا وطن له لا هوية له.
ونستذكر وإياكم إحدى معاركهم الخالدة التي تُعَدّ آخر معارك الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الكبرى، معركة السبلة التي وقعت في 30 مارس 1929م.
فبعد تمرد “الإخوان” على الدولة السعودية الحديثة من خلال مسيرهم لإكمال فتوحاتهم باتجاه العراق بعد تحرير الحجاز دون الرجوع لقادة الدولة ! كان لا مفرّ من مجابهتهم وقتالهم للتفرغ لتوحيد البلاد وإغلاق الجبهات الكثيرة مهما كلّف الأمر، وهذا أمر فُرض على الدولة الحديثة ولم يكن خيارًا مُتاحًا يمكن من خلاله التريث لحقن الدماء، رغم المحاولات الكثيرة التي بُذلت، والرسل الذين وفدوا على تلك الجماعة . حان موعد قتال “إخوان من طاع الله” في قلب صحراء نجد القاحلة، حيث تمتد الرمال بلا نهاية، وكانت الشمس الحارقة تُلقي بأشعتها على رمال روضة السبلة الواقعة بين الزلفي والأرطاوية، معلنة عن يومٍ ستُكتب أحداثه في صفحات التاريخ ، اجتمع الملك عبدالعزيز مع جيشه وعيونهم تتلألأ انتظارًا للانتصار، وقلوبهم تخفق في سبيل النصر لإكمال مسيرة التوحيد ، في صباح المعركة ارتجّت الرمال تحت وقع أقدام الفرسان، وارتفعت صرخات السيوف، والخيول تصهل في الفضاء ، كان الملك عبدالعزيز يوجّه رجاله بحكمة، يعرف متى يهاجم ومتى يُثبّت الصفوف، بينما حاول “الإخوان” فرض قوتهم باستخدام الخيول السريعة والمهارة في القتال والخبرة الطويلة في خوض المعارك ، ومع مرور ساعات من القتال العنيف، ضعفت صفوف الإخوان وتفرّق جيشهم في كل اتجاه، وهكذا تحقق النصر للدولة السعودية، وأصبحت السبلة شاهدًا على قوة القيادة والحكمة لا على حجم الجنود فقط ،لم يكن الانتصار مجرد انتصار عسكري، بل كان بداية فصل جديد في تاريخ الجزيرة العربية، وترسيخ سلطة الملك عبدالعزيز وقدرته على حماية البلاد، والقضاء على أي تهديد من الإخوان، وضمان استقرار الدولة، وتمهيد الطريق لتوحيد نجد والحجاز والمناطق الأخرى، حتى تم بعد ذلك إعلان توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932م ، تعلّم الناس من هذه المعركة أن القوة ليست بالجنود وحدهم، بل بالحكمة والتخطيط والعزيمة الصادقة، وأن القائد العظيم هو من يعرف متى يقاتل ومتى يبني، ومتى يثبت ويصبر حتى ينجح مشروعه ،ومنذ ذلك اليوم بقيت السبلة درسًا خالدًا للأجيال، يُذكّر الجميع بأن وحدة الوطن واستقراره لا تُبنى إلا بالعزم والإرادة والإيمان ، وحقٌّ لنا كسعوديين أن نفخر بهويتنا الوطنية السعودية وانتمائنا لهذا البلد العظيم الذي بُني على تضحيات ملوكنا وأجدادنا ، فالواجب التلاحم ما بين القائد وشعبه، وتجنّب الفرقة التي لطالما سعى الأعداء إليها وبذلوا كل شيء، لكنهم اصطدموا بجبل طويق الشامخ الأبي، فأصبح عصيًّا على كل من تسوّل له نفسه النيل من هذا البلد العظيم ،فاعتزّوا بانتمائكم وهويتكم الوطنية لهذا الوطن العظيم، وكونوا – بعد الله – حُماته الأوفياء.