لِحُكامِنا حُبّ لا يُنسى

قد يكون النسيان أمر لا فرار منه يبتلع بداخله أغلب الذكريات التي تمر بنا، إلا ما كان منها منقوشًا على الذاكرة ومزاحمًا للمواقف بمشاعره التي تُذكرك في كل مرة بتفاصيلها وكأنما المرة الأولى، وهذا ما جعل الأربعة والأربعون عامًا أقرب إلى إحدى القريبات وهي تحدثني عن موقف حدث منذ سنين عجاف ذهبت في طيات الزمان واندثرت مواقفها الرثّة، تقول قريبتي هذه مسترسلةً في الحديث:

لقد كنت أجلس كعادتي في منزلي بحي النسيم – الرياض الذي تحف جداراته الدفء وتسقفه مشاعرنا التي تسند ركائزه ، هانئين فيه برغد العيش والأمن والأمان المعهود مذ أن أدركنا أنفسنا على هذه الأرض الطيبة، أعيش فيه مع ابني وزوجته وطفلهما، وقد كان ابني يعمل في أحد القطاعات العسكرية ويخرج كعادته منذ بزوغ الصباح ليخدم دينه ووطنه وولاة أمره ولا يعود إلا حينما تبدأ الشمس بانسحاب شدة حرارتها قبيل العصر بالقليل من الوقت، إلا أن هذه المرة كان مُسابقًا في عودته للوقت وعاد مبكرًا عن المعتاد وملامحه لا تشبه تعابير ابني الذي طالما تمعنت بها وحفظتها عن ظهر غيب ! فقد أقبل ودمعه ينهمر وابلاً كأنما شلالُ ماءٍ أخذ محلاً له بخديه، فُزع فؤادي عند رؤيته وهرع إليه قبل أن تهرع أقدامي، سألته: ما بك؟ ولكنه لم يرد بحرف واحد إذا رأيته ظننت أنه صوته غادر المكان من شدة إلجامه، تسمّرت مكاني وتوقف كل شيءٍ حولي حتى عقارب الساعة أصبحت بلا حراك وكأن شيئًا يعبث بها، شرد ذهني بعيدًا وتلعثم لساني عن تكرار سؤالي خوف أن يُداهمني جوابٌ لست أنتظره، وباتت أشياء تدور في رأسي، هل موت قريب، أم مصيبة، أو مرض عضال أصيب به، وبعد ثوانٍ مرت عليّ وكأنها سويعات من الزمن أستطعت أن أستجمع قواي وأنادي زوجته فأقبلت مسرعة تسابق الزمن لم تتفوه بكلمه عند رؤيتها لزوجها باكٍ وما يُبكي الرجال إلا شداد المِحن، ثم أخذ نفسًا عميقًا من شدته كاد يطوي الأرض إلى جوفه فقال بصوت خافت: الملك خالد توفي اليوم وأجهش بالبكاء، حينها شعرنا أن الأرض تبكي حُزنًا، وبالفعل كان موقفًا عصيبًا ليس علينا فقط بل لشعبًا بأكمله ووطنًا كاملاً يُبكيه فقدًا، وكان تاريخًا منقوشًا في الذاكرة لا يُنسى أبدًا ذلك اليوم – يوم الأحد الواحد والعشرين من شهر شعبان من العام 1402 هـ.

عاشت تلك المرأة في سردها للموقف أحداث القصة وكأنه يمر أمام عينيها وتعيشه في تلك اللحظة، وأنا أستمع لحديثها عشت معها تلك اللحظات التي عاشها وعاصرها جيل كانت مشاعره الجياشة تتصف بالصدق.

ما هذه الحادثة التي تطرقت اليها واوردتها هنا إلا مثالاً بسيطًا ينم عن حب لحكام هذه البلاد من قبل شعبهم العظيم، فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد مؤسسها الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن عام ١١٣٩هـ وتحالفه مع الإمام محمد بن عبدالوهاب والاتفاق فيما بينهما والذي ترتب عليه تكوين هذا الكيان الذي بدأ منه تاريخ قيام دولة عظيمة والذي اتخذ الشريعة الإسلامية منهجًا لها فاجتمع في هذه الدولة القوة والمبادئ الاسلامية حتى اتسعت رقعتها وانضم لها الكثير من أبناء هذه البلاد واستمر هذا النهج في الدولة السعودية الثانية ومؤسسها تركي بن عبد الله رحمه الله والثالثة على يد مؤسسها المغفور له الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس الدولة الحديثة المملكة العربية السعودية والذي وحد هذه البلاد تحت راية واحدة رغم اتساع رقعتها الجغرافية ثم يخلفه في الحكم قادتها الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبدالله رحمهم الله وغفر لهم وأسكنهم فسيح جناته والذين بذلوا الغالي والنفيس من وقتهم وجهدهم وحياتهم لرفعة هذه البلاد وأعمارها رغم ماتتعرض له بلادنا منذ القدم من المؤامرات والتربص من أعدائها وأعداء الدين، ولكنها أخُمدت بفضل الله وحنكتهم فذهب أعداؤها أدراج الرياح مخذولين مدحورين وبقيت بلادنا شامخة عزيزة واليوم يتولى قيادتها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان والذين نقلوها لتكون القوة الكبرى في الشرق الأوسط، وتكون الاسم الذي يلتفت إليه أقاصي العوالم ذهولاً ويحسب لها ألف حساب ، وينمو اقتصادها بشكل أبهر العالم، ناهيك عن التطور في جميع المجالات، فأحب السعوديون حكامهم لما رأوه منهم من السعي الحثيث للاهتمام بالإسلام أولاً ومن ثم خدمة الحرمين الشريفين وبذلهم للغالي والنفيس ليهنَؤُوا في بلادهم آمنين مطمئنين في رغد من العيش، ولا يزال للأمجاد فوق هذه الأرض بقية فنحن الحالمون والمحققون حتمًا بإذن الله وعزته

موضوعات ذات صلة

  • امحها يا علي

    لا بد أن تُرغمك الظروف يوما ما على تقديم تنازلات ليس ضعفا منك بل سعيا للحفاظ على أشياء أُخرى لتبقى.امحها يا عليمن الحكمة والعقل أن تتجاوز أحيانا لأجل تحقيق مبادئ أُخرى تراها ستحقق لك الكثير أو تُزيل عنك بعض العقبات والمصاعب.امحها يا عليفي معترك الحياة ستجري بك السفينة إلى غير وجهتك ولكي تعيدها للمرفأ الذي…

  • غُصن حبق وكوب شاي

    في زاوية هادئة من زوايا ذلك المقهى الجميل حيث التقيتُ بأصحابي، تبادلنا الإصغاء لأحاديث تأسر الروح، تارة ننبش في ذاكرة الأيام ونستحضر ما مضى منها، وتارة نجول في عوالم مختلفة ، ونحن نرتشف ذلك المشروب السحري ،شايًا ممزوجًا بأوراق الحبق وأغصانه، فلا يعلو في المدى صوتٌ فوق رشفاته، وكأننا لا نسكبه لنسد به ظمأ الأجساد،…

  • خلك ذكي

    في زمنٍ تتشابك فيه العلاقات وتتعقد فيه النوايا، يبرز سؤال يتكرر كثيرًا على طاولة الاستشارات الأسرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على طيبته دون أن يُستنزف، وأن يصون كرامته دون أن يتحول إلى شخصٍ قاسٍ يفتقد إنسانيته؟ الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن هذا العالم لا يكافئ الطيبة المطلقة، كما لا يحترم القسوة المجردة ،…

  • سنشد عضدك بأخيك

    تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي…

  • سلاحٌ ذو حدّين

    ندرك تمامًا أنَّ كُلَّ أشيائنا التي حولنا والتي ننعم بها في حياتنا ؛ قد تكون سلاحًا ذو حدَّين ،أوَّلُه ينتشل الأرواح لما تَسْتَّنيِرُ منهُ في الظلمات، وآخره بإمكانه أن يجعل النُور يتلاشى ، فقد تُستخدم بما يعود علينا بالنفع والفائدة ، وقد تَجلب الضرر عند سوء استخدامها ، إذاً فالإنسان هو من يتحكَّم بها ويوجهها…

  • كل تُسيّره أحلامه

    عندما تعود بي خيوط الذاكرة إلى مرحلة الطفولة، وماكان يعتريها من شقاوة الأطفال وبراءتهم، ومابها من صفاء، يمرُّ أمام عيني شريط الذكريات الذي لا يمكن لمثلي أن ينساه، فأحببت أن أصحبكم معي في سلسلة الذاكرة المملوءة بذكريات نعومة أظفاري، وأسرد عليكم ما أستطيع الإمساك بهِ مما تحمله ذاكرة الحنين، فالذكرى عندما تنتمي للماضي تتحول إلى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *