النجاحات تولد من رحم المعاناة

لانستطيع اختيار عائلاتنا والبيئة التي ندرك الحياة ونحن بأوسطِها. إلا أنَّنا نستطيع التحكم بكل ما خيَّرنا الله فيه ووضعه بأيدينا ، إلا أنَّ هنالك من يرى أن وضع أسرته لايواكب حياته، ولا يُلبِي طموحاته أو يحقق أهدافه ، إلا أنَّه عندما يَعِي وضعه وما يمكنه فعله ويفكر خارج الصندوق بعيدآ عن المألوف ، فمن المؤكد سَينَّتَشِل نفسه مما هو عليه إلى العالم الذي يحلم به ، وللتخطيط للعمل لتكويِن مستقبلٍ يتطلَّع إليه ، فالكثير من أصحاب الأموال والمناصب وممن خلَّدوا أسماءهم عبر التاريخ قد بدؤوا حياتهم من الصفر، لم يملكوا مصباح علاء الدين السحري الذي يُحقِق أمنياتهم ، وليس لديهم عصا سحريِة يضربون بها البحر فينفلق كالطَّود العظيم ،ولم يكن وصولهم هينَّا أو استنادآ على عائلاتهم حتى لانتفاجأ بالعقبات ؛ التي ستصبح بالعزيمة ومضاعفة الجهد من الماضي ولتكون الوقود التي تنير لنا المستقبل والشعلة التي تضيء لنا الطريق .
ولأن النجاحات تولد من رحم المعاناة، فمن مِنَّا لم يسمع بقصة الإمام الشافعي- رحمه الله – الذي وُلد في غَزَة وتوفي والده وهو ابن العامين فعاش في فقرٍ مدقع ، مما اضَّطُرَّ أمّه فاطمة بنت عبدالله الأزدي أن تذهب به إلى مكة، ليكون بين أهله من قريش ويتصل بهم ، ولم ينتَّشله قربهم من الفقر والحاجة والحرمان ، ولأن للأمهات صبرُ وجَلَد لأجل فلذاتِ أكبادهنَّ ، فقد تكبَّدَت في سبيل ذلك الكثير، فقررت أن تُلحقَ ابنها بحلقاتٍ لتعليم الصغار ،فكان الشيخ المعلَِّم يهمل ويِقصّرِ في تعليمه لعدم امتلاءكه للمال الكافي، لكن الإمام الشافعي – وعلى الرغم من حداثة سنِّه كان يتلقَّف ويحفظ كل مايُعلِمه لهم المعلم -فإذا قام من مكانه جلس الشافعي يُعلِمَ الصبية ماتعلمه ، فأعجب به وعفا عن أُجرة تعليمه فحفظ الشافعي القرآن الكريم وهو دون العاشرة، ولعدم قدرته على امتلاك الأوراق؛ كان يجمع الملُقى منها فيكتب عليها ، هذه المعاناة أوجدت لديه ملكة الحفظ ، فأعتمد عليها حتى أصبح يحفظ كل شيء بِيُسر ، انطلق ومَكَث في البادية عدداً من السنين ليتعلَّم اللغة العربية الفصحى والأدب والشعر والفروسية ،وسمعت والدة الشافعي بإمام الدنيا ذلك الزمن وهو مالك بن أنس بالمدينة؛ فأمرت ابنها بالارتحال إليه وهو ابن أربع عشرة سنة ، فخرج من مكة وحده ثم وافق ركباً فحملوه معهم ، وحفظ مُوطأ الإمام غَيبًا بعدما استعار الكتاب لأنه لايملك ثمنه ، وذهب الشافعي إليه، فلما رأه الأمام قال له: يا محمد : اتق الله واجتنب المعاصي ، فإنه سيكون لك شأن من الشأن ، إن الله قد القى على قلبك نوراً فلا تُطفئه بالمعصية ،ولأزم مالك عشر سنين نهل من علمه الكثير .
ارتحل الشافعي لطلب العلم والرزق في كثير من البلاد منها اليمن والعراق ومصر، فكان يأمر بالسفر والتغرب عن الأوطان سعيآ في الأرض لمن ضاق عليه رزقه وبحثاً عن طلب العلم ومطالب الحياة .
قطفنا بعض الابيات من قصيدته الشهيرة :
ما في المقــام لذي عـقــــــــــل ٍ وذي أدب ِ
من راحــــــــــــة ٍ فدع الأوطــــــــــــــــان واغتــــــــــرب ِ
سافر تجد عِوضــــــــــــــــاً عمّن تُفارقـه
وانْصَبْ فإن لذيذ العيــــــــــــش في النّصب
تمنيَّنا لو اسعفنا المقام لعدم اقتضاب سيرته ، ولكن قصدنا من سيرته الانطلاق من الفقر والعوز والجوع إلى إلى القمم ومجابهة الأخطار حتى سطر التاريخ اسمه ؛ نعم إنه أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي القرشي صاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي وأبرز أئمة أهل السنة والجماعة عبر العصور .

موضوعات ذات صلة

  • اخطب لابنتك

    قـد يكـون العنـوان مدعـاة ً للجـدل ولافتـا للانتبـاه، فالمتوقـع اسـتهجانه مـن البعـض، لأن النـاس عـادة ً ترفـض ماهـو مغايـر ٌ لأعـراف المجتمـع، حتـى وإن كان لا يخـرج عـن دائـرة الديـن، وأقـرب مثـال ٍ مـا سـندلو بـه ِ فـي بِضـع سـطور ٍ معكـم ألا وهـو رفضهـم للمبـادرة فـي البحـث عمّـن يكـون أهـلا للـزواج مـن ابنتهـم.دعونـا نسـتذكر…

  • جنة الدجّال

    إذا أتاك الأعور الدجّال ودعاك إلى دخول جنّته لأنّ فيها الأُنس والسعادة الأبدية والنعيم المقيم، وادّعى أنّ فيها المُلك والخلد، فإن راودتك نفسك وغرّتك عيناك، واجتمعت شهواتك، وحثّك شيطانك على دخولها، فلا تدخلها؛ فإنّ في ظاهرها جنّة، وفي داخلها نارٌ تَلَظّى لاتبقي ولا تذر لواحة للبشر .هي كذلك كما وصفها الرسول المصطفى صلى الله عليه…

  • لا طبنا ولا غدا الشر

    شاهدت مقطعًا متداولًا قبل فترة لأحد المنتسبين للطب البديل زورًا وبهتانًا! رأيته بأم عيني وهو يجهّز رافعة بكلاليب (ونش) تُستخدم عادةً لرفع الذبيحة لتُسلخ. بادئ ذي بدء، ظننت أنه سيقوم بذبح جمل أو خروف سمين لإكرام ضيفٍ حلّ به، ولم أُعر اهتمامًا للمنظر الذي اعتدنا رؤيته كثيرًا في مسالخ البلديات ، لكن ما لفت نظري…

  • شاركهم

    أحبّذُ رواية القصص لأبيّن ما أفكر به وما أرغب في إيصاله لكم أصبحت أتخيّلكم وأردد هل سَيَعينني قُرّاء حرفي أم لا ؟ وأرجو ألا تقف جُملةً لتحول بيني وبين فهمي وإدراك فكرتي وها أنا ذا أقصص عليكم تجربةً تروي قصة الفتاة التي عانقت والدها بحرفها ومشاعرها لتصف نجاحها لي وهي اليوم اخصائية اجتماعية وصانعة محتوى…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • سنشد عضدك بأخيك

    تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *