جنة الدجّال

إذا أتاك الأعور الدجّال ودعاك إلى دخول جنّته لأنّ فيها الأُنس والسعادة الأبدية والنعيم المقيم، وادّعى أنّ فيها المُلك والخلد، فإن راودتك نفسك وغرّتك عيناك، واجتمعت شهواتك، وحثّك شيطانك على دخولها، فلا تدخلها؛ فإنّ في ظاهرها جنّة، وفي داخلها نارٌ تَلَظّى لاتبقي ولا تذر لواحة للبشر .
هي كذلك كما وصفها الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: إنّ الدجّال يخرج، ومعه ماءٌ ونارٌ، فأمّا الذي يراه الناس ماءً فنارٌ تحرق .
ففي جنّة الدجّال الهلاك، ولهذا كان اختيار المسلم لنار الدجّال اختيارًا للنجاة، وليس هذا من الانتحار في شيء ،وكم من الأشياء من حولنا نعيشها ونتخبّط في ملذّاتها، وما هي إلا كجنّة المسيح الأعور الدجّال.
تلك الصورة النبوية الخالدة ليست بعيدةً عن واقعنا اليوم، فجنّة الدجّال لم تعد مجرّد حدث مستقبلي، بل لها مثيلٌ حديثٌ نعيش تفاصيله يوميًا على شاشات الهواتف ومنصّات التواصل.

في مقالي سأطرق باب مدّعي الشهرة وسارقي الأموال والعقول والأخلاق، من يتصفون كذبًا وزورًا بمشاهير “السوشيال ميديا”، وما هم إلا عُوران دجّالون، أتوا بجنّتهم التي يراها المسلم بكلتا عينيه المبصرتين؛ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، وقد ولج فيها كثيرون، وانغمسوا في ملذّاتها الكاذبة، ولم ينجُ من جنّتهم الزائفة إلا قليلٌ ممّن اصطفاهم الله، وحفظ لهم دينهم وخُلقهم ومالهم ووقتهم.
فلا يُستهان بتأثير الاعتياد البصري والسمعي والنفسي على سلوك الإنسان مهما بلغ من الثقافة والعلم والمكانة، فإذا أكثرت من متابعة التفاهة ومجالسة التافهين أصابك شيءٌ من آثارهم ولا بد.

يقدّمون للناس اليوم نعيمًا مزيفًا وخلودًا وهميًا في عالمٍ رقميٍّ يفيض بالضحك والترف والمظاهر الخادعة.
يُباع الوهم بطرقٍ جذّابة، وتُقدَّم التفاهة في قوالب من البريق والرفاهية، حتى يخال المتابع أن السعادة في تقليد أولئك المشاهير الذين يُسخّرون كل ما لديهم لجمع المال على حساب العقول والأخلاق والوقت.

فلم يعد الدجّال أعور واحد ، بل صار في زماننا عُوران كُثر: أعورُ القلب لا يرى إلا الدنيا ، وأعورُ الضمير لا يسمع نداء الحق، وأعورُ العقل لا يفرّق بين الزائف والحقيقي.

أولئك الذين يُسمَّون مشاهير “السوشيال ميديا” يملكون القدرة على التسلّل إلى عقول الناس، فيروّجون لجنّتهم المصطنعة التي تخفي خلفها نارًا من الفراغ والتفاهة والانحلال ، فكم أضاع الكثيرُ منّا وقته في متابعة تافهين لا يطمحون من وراء شهرتهم إلا إفساد المجتمع، والصعود على أكتاف أبنائه لجمع الأموال من جيوبهم الممزّقة!
فكم من بيتٍ فسدَت أخلاق أبنائه بسبب متابعتهم!
وكم من أوقاتٍ أُهدرت!
وكم من أموالٍ أُنفقت!
وكم من عباداتٍ ضُيّعت!
وكم… وكم…

فهل من صرخةِ وعيٍ يطلقها العقلاء والمخلصون من أبناء المجتمع، بدعمٍ من المؤسسات التربوية والمجتمعية والإعلامية، لتبني حملةٍ جادّة تكشف زيف تلك الجنّة، وتُعرّي الدجّالين الجدد الذين يعبثون بالقيم والعقول ؟

موضوعات ذات صلة

  • سنشد عضدك بأخيك

    تمُرُّ بنا رياحٌ توشك أن تجتث جذورنا منْ هذه الأراضِي الطيبة وأغصاننا الرطبة تتمايل هنا وهناك ، لايسعنا سوى أن نتأملها وننتظر،،ننتظرُ كثيراً في زخم هذه الحياة حتى يُخالف ظلمتنا نورٌ من آخر ذلك الطريق،يتقدم نحوَنا شيئآ فشيئًا كأنهُ يختبر تحمُلنا ويتأمل مدى تخبُّطِنا .لقد توقَّف على تُربة جذوري وانحنى يمسح بيديه الحانية على أرضي…

  • شدة القرب حجاب

    نسمع أصواتهم وتأففهم وتذمرهم من حولنِا مستائين ضيق الحال وقسوته رغم تنعمهم ورغد عيشهم! وما كان ذلك إلا عندما امتدت أبصارهم لما عند غيرهم (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فهؤلاء ألفوا النعم واعتادوا عليها وانغمسوا في ملذاتها الكثيرة حتى ظنوا أنها لن تغادرهم، أو ربما لم يعودوا يرونها…

  • لِحُكامِنا حُبّ لا يُنسى

    قد يكون النسيان أمر لا فرار منه يبتلع بداخله أغلب الذكريات التي تمر بنا، إلا ما كان منها منقوشًا على الذاكرة ومزاحمًا للمواقف بمشاعره التي تُذكرك في كل مرة بتفاصيلها وكأنما المرة الأولى، وهذا ما جعل الأربعة والأربعون عامًا أقرب إلى إحدى القريبات وهي تحدثني عن موقف حدث منذ سنين عجاف ذهبت في طيات الزمان…

  • قيود صامتة

    تناقضٌ عجيب وانعكاسٌ خطير ، لم تعد الابتسامة دليلًا على الرضا، ولا الصمت مؤشرًا على القبول، ولا الموافقة دليلًا على الاقتناع فالمشهد الاجتماعي اليوم أشبه بساحة حربٍ من الإشارات المغلوطة والابتسامات المزيفة ،فكثيرٌ من الناس يضحكون بينما يغلي الداخل غضبًا أو خيبة، وصمتُ آخرين ليس طواعيةً، بل خوفٌ وامتناعٌ عن المواجهة فالحقيقة صارخة المجتمع يعكس…

  • كل تُسيّره أحلامه

    عندما تعود بي خيوط الذاكرة إلى مرحلة الطفولة، وماكان يعتريها من شقاوة الأطفال وبراءتهم، ومابها من صفاء، يمرُّ أمام عيني شريط الذكريات الذي لا يمكن لمثلي أن ينساه، فأحببت أن أصحبكم معي في سلسلة الذاكرة المملوءة بذكريات نعومة أظفاري، وأسرد عليكم ما أستطيع الإمساك بهِ مما تحمله ذاكرة الحنين، فالذكرى عندما تنتمي للماضي تتحول إلى…

  • الرقابة الذاتية

    اصبح تقنيـن الوقـت وضبطـه للأبناء أكثـر صعوبـة مـن قبـل ! فبحسـب مـا نُشر علـى موقـع وزارة الصحـة؛ أن الوقـت المسـموح بـه للأطفال ما دون الخامسـة لمشـاهدة الأجهزة الإلكترونية لا يتجاوز سـاعة ً واحدةً فـي اليـوم، ومـن الخامسـة للثامنـة عشـرة فـي حـدود سـاعتين فـي اليـوم، فـي حيـن أن الأبنـاء يتجـاوزون هـذا الوقـت بكثير ،ممـا سـهّل للبعـض…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *