مع المحبرة إلى المقبرة 

في زمنٍ يتغيّر فيه كل شيء من حولنا بسرعة تكاد تُربك البصر، يبرز مبدأ “مع المحبرة إلى المقبرة” كقيمةٍ جوهرية ينبغي أن نعيد اكتشافها فالعلم لم يعد مجرد مرحلة دراسية، ولا بوابة للحصول على وظيفة، بل أصبح ضرورة وجودية يترتب عليها بقاء الفرد فاعلًا ومؤثرًا في عالم لا ينتظر المتباطئين.

لقد أصبح واضحًا أن الذين يتوقفون عن التعلم يشيخون قبل أوانهم ، ليس بأعمارهم، بل بأفكارهم، بينما يبقى المتعلم الحقيقي شابًا بروحه، مرنًا في تفكيره، قادرًا على فهم التحولات واستيعابها. 

إن الواقع اليوم يؤكد لنا أن الجهل لم يعد عيبًا فحسب، بل أصبح مخاطرة، تمامًا كمن يختار السير في طريق مظلم بينما الضوء متاح أمامه.

وليس المقصود بالتعلم المعارف الأكاديمية وحدها، بل كل ما يضيف للإنسان وعيًا جديدًا ، مثل قراءة كتاب، أو مهارة مهنية، أو تجربة حياتية، أو حتى موقف يُلهم بصيرته ، فكم من لحظة قصيرة أعادت تشكيل حياة إنسان، وكم من كلمة صنعت يقظة فكر، أو بعثت في روح أحدهم طموحًا جديدًا.

ومهما قيل عن أهمية العلم، فإن أجمل ما قيل هو ما قاله الإمام أحمد بن حنبل حين سُئل عن محبرته وهو شيخ كبير: مع المحبرة إلى المقبرة ، جواب موجز لكنه يفضح وهمَ الاكتفاء، ويرسّخ يقينًا بأن التعلم لا يرتبط بالعمر، بل بالإرادة.

ولو نظرنا حولنا لوجدنا أن الفرق بين مجتمع يتقدّم وآخر يتراجع هو فرق في الوعي قبل أن يكون فرقًا في الإمكانات. فالأمم التي تقرأ وتصنع المعرفة هي التي تقود، أما التي تركن للكسل الذهني فهي التي تُدفَع إلى الهامش مهما بلغ عدد سكانها أو ثرواتها.

وقد قرأت ذات يوم كيف تحوّلت سنغافورة بين عشية وضحاها من بلدٍ فقير في موارده وفي تعليم أبنائه، إلى بلد متقدم ، فعلمتُ أن السبب الأول كان رؤية ثاقبة اهتمت بالتعليم وتطوير الموارد البشرية ، مما نقلها إلى مركز مالي عالمي متطور في شتى المجالات، بما فيها التكنولوجيا.

إنني أؤمن بأن الإنسان الذي يتوقف عن التعلم يختار ـ وإن لم يشعر ـ أن يعيش بنسخة قديمة من نفسه، بينما العالم من حوله يُحدّث كل شيء، حتى أبسط تفاصيل الحياة ، وهذا وحده كافٍ ليفرض علينا أن نعيد تعريف موقفنا من العلم: فهو ليس رفاهية، وليس مجرد اهتمام جانبي… بل ضرورة تحمي مكانتنا وقدرتنا على البقاء.

وفي النهاية، تبقى دعوة هذا المبدأ صريحة: لا تتوقف عن تطوير ذاتك، لا تجعل الأيام تتجاوز فهمك لها، ولا تسمح لقلمك أن يجفّ؛ فالحياة ـ مهما طالت ـ ليست إلا رحلة معرفة ، ومَن أدرك قيمتها أدرك أن طريق العلم يبدأ من المحبرة… ولا ينتهي إلا عند المقبرة . 

 

موضوعات ذات صلة

  • لست عبئاً على أحد

    خُرقِت السفينةُ ، سُفِك دم الغلام ، وبُني الجدار، يبدو النَّظرُ إلى الأمرِ من بعيد مخيفًا ومقلقًا ، إلا أنَّنا كُلَّما اقتربنا ونظرنا بعين العمق ، وجدنا أن العليم الخبير بابهُ فيه الرحمة وظاهرهُ كما رأت أعينكم ، فكذلك هي سائر أحداثِنا وما يقع حولَنا وعلينا ،قد تحدث في حياتنا أمورٌ لا نتمناها ونظنُّ أحياناً…

  • ثلاثة سنابات

    في جامعة الأماني والأحلام الحاضرة بيننا إلى حين انتهاء مرحلة الدراسة وبدء تحقيقها، رائحة القهوة تعج في المكان وأيادٍ تحتضن الكوب لتدفأ، يُصادفني الممتلئين بالشغف أفواههم مبتسمة تُبهجك رؤيتهم دون أن يتحدثون وآخرين كأنما يجرون أقدامهم لهذا الصرح ينتظرون نهاية اليوم لا أكثر، وبينما نحن في قاعة التدريس بانتظار الأستاذ كي يُقدم محاضرته، كان يجلس…

  • شاركهم

    أحبّذُ رواية القصص لأبيّن ما أفكر به وما أرغب في إيصاله لكم أصبحت أتخيّلكم وأردد هل سَيَعينني قُرّاء حرفي أم لا ؟ وأرجو ألا تقف جُملةً لتحول بيني وبين فهمي وإدراك فكرتي وها أنا ذا أقصص عليكم تجربةً تروي قصة الفتاة التي عانقت والدها بحرفها ومشاعرها لتصف نجاحها لي وهي اليوم اخصائية اجتماعية وصانعة محتوى…

  • اخطب لابنتك

    قـد يكـون العنـوان مدعـاة ً للجـدل ولافتـا للانتبـاه، فالمتوقـع اسـتهجانه مـن البعـض، لأن النـاس عـادة ً ترفـض ماهـو مغايـر ٌ لأعـراف المجتمـع، حتـى وإن كان لا يخـرج عـن دائـرة الديـن، وأقـرب مثـال ٍ مـا سـندلو بـه ِ فـي بِضـع سـطور ٍ معكـم ألا وهـو رفضهـم للمبـادرة فـي البحـث عمّـن يكـون أهـلا للـزواج مـن ابنتهـم.دعونـا نسـتذكر…

  • جرف هار

    ليالٍ توسد سماؤها بدر التمام يتقاطر على أكُفنا هتان برد الشتاء، تشير الساعة إلى العاشرة والنصف ويُشير صوت طرق الباب باستحياء إلى زائر ينتظرنا خلفه، تفاجأت كثيرًا من يا تُرى قد يكون؟ لأنه من المستغرب جدًا أن يزورنا أحدهم في هذا الوقت من الليل ودون أي موعد، فقد أغنى الهاتف النقال عن المجيء وكفى الناس…

  • إذا سبّح القيطون فقد همّ بسرقةٍ

    كانت ملاكًا تمشي هوينًا على الأرض، كأنها حديقة غنّاء أزهرت بأجمل الورود، بل إنها كالمطر الذي هطل على الأرض فأطرب لصوته الحيوان والنبات قبل الإنسان، نورٌ انسدل في منزلنا عندما قدمت، جمعت كل الصفات الرائعة: الصدق، والأمانة، والتدين، والخُلق الحسن. هذا الوصف ليس (لانيا تايلور) بناءً على مقياس المعيار اليوناني الذهبي للجمال، بل لإحدى العاملات…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *